مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 445 أيار 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

أعداء المرأة

أمر من الرجل قد وقع، وقضاء قد حم على رأس المرأة. وكأن الدهر أبى منذ الأزل إلا أن يقطع أسباب المودة والصفاء بين الرجال والنساء، فسخّر من غلاظ القلب والجسم من كاد لهن وتربص بهن، وزعم متلطفاً أنهن شر لا مفر منه ولا غناء عنه، فأساء الرجل إلى جنسه، وإلى من خلقت من نفسه، فكان كمن ضلّ وأضل. إذ كيف جاز في شرعة الحق والرجولة، أن يخلق هذا الإنسان الجبار عداوة بين الجنسين، أو في دنيا مخلوقين يكمل كل منهما الآخر ومذ بدرت من الطبائع بوادر الخصومة والتهكم هب نفر من الرجال وقد حسبوا أنهم يحسنون صنعاً، فتنادوا إلى مناوشة النساء والغض من حسناتهن، ليقال إن العالم يشقى بشرهن ويعيا بأمرهن.‏

وأخذ المتنادون والأشياع يهتفون في كل جريمة وقعت أو خصومة قامت: فتش عن المرأة... ثم غدا الناقمون مباهين بعداوة النساء، فروعت بنات حواء، وفزعن إلى أخواتهن متسائلات:‏

من الشاهر سيفه، الكاشر عن أنيابه، الناشر لمخالبه، يريد بنا الأذى، وينوي لنا الردى...؟‏

فقلن هذا "أرثور" زائغ الفكر والشعور، رفع صوته في الغرب، يحذر من المرأة وينذر الناس بشقائهم فيها وذلك "التنوخي" الضرير(1)، نفث نقمته في أرجاء الشرق، فودت له النساء الشقاء والفناء. وخلف من بعد هذين الناقمين الفاشلين خلف ورثوا عنهما المكايد والأضغان، وصار إليهم حبل الماكرين....‏

وبعد فما لامرأة اليوم حيلة بالأعداء الغاربين، فقد ماتوا وخلوا للمشايعين التابعين تراث العداوة لها! وكانت تحسب أنها استراحت من الأعداء، فإذا هم اليوم خصوم ألداء، يتداولون بينهم ذلك التراث المحموم.‏

من هؤلاء الخصوم في بلاد العرب توفيق الحكيم الذي جدّ في عداوته للمرأة فطعن فيها، ورماها بكل نقيصة في كتبه ومقالاته، ثم ظهر بوادي النيل عدو جديد، على أن أكثر هؤلاء الأعداء من المفكرين والفلاسفة، ما شاع ذكرهم ولا ذاع صيتهم إلا حين تهجموا على النساء بالمثالب والتسفيه، فإذا بمطاعنهم تدور وتحور، ويتردد صداها في كل مكان، وينبسط مداها مع الزمان، ويقبل على بضاعتهم الشامتون بالمرأة والغاضبون عليها، فيشترون من تلك البضاعة المزجاة ويرتؤون آراءهم الفائلة، وإذا بها ترن في المسامع وتطوف بالمجامع، فيهتف التاريخ بأسماء: شوبنهور ونيتشه والمعري والعقاد وتوفيق الحكيم وغيرهم...‏

ومن عجب أن يجور هؤلاء الأعلام على النساء بما يخالف التطور وينافي الواقع، ليكتسبوا من هذه المناوأة والمكابرة شهرة جديدة وصيتاً بعيداً. وطالما جار الثالبون على أنفسهم، فتعسفوا وتكلفوا، وكان خطبهم أعشى، أليس منا أمهاتهم وأخواتهم، وخالاتهم وعماتهم، ولم لا أقول زوجاتهم وبناتهم؟ ثم استغفر الله مما فرط من القول وزلّ به اللسان، فإن كفيف المعرة كفّ نفسه عن المرأة، ولعل له عذراً، فلو كان كحل عينيه بجمال الغيد، ولم يكن دميماً لاجتاحت قلبه واحدة من النساء غيرت معالم اللزوميات، فلم يتهكم علينا فيها بالتائيات، ولما أدارها معنا وقيعة سجالاً وحرباً عواناً، فإن في كل بيت منها لسيفاً وسناناً. ولقد بنى أبو العلاء صروح شعره على ذم المرأة وما دل عليها، وكان منها أو إليها، فالدنيا عنده أم دفر، وهو أبداً ينحت أثلتها ويبري عودها، معتقداً أن كل خطب فيها سببه المرأة، فهو هدام معطل، لو أوتي قوة شمشون، وكان مسبل الشعر لدَكّ بهن العالم وأقفر الوجود.‏

ومن يدري فلعل شوبنور أو نيتشه وسواهما من أعداء المرأة في الغرب والشرق، إذ كرهوها وازدروها، كانت وراء كل منهم امرأة أفسدت عليه نعيم الحياة، وسودت في عينيه بياض الدنيا، فحسب الغدر أو الكيد كله من شيم النساء. وإذا كان لهؤلاء الأعداء الغابرين معاذيرهم في الغضب على النساء وفي عهود كن مستضعفات، فأي عذر للناقمين منهم في عصرنا؟ وكأن هذه النقمة من بعض المفكرين في أيامنا خصومة منهم أو دلالة عليهم، فإذا ركد لهم صيت أو فتر من حولهم إعجاب أثاروا لأنفسهم رياح الشهرة بمقال يرسلونه، أو رأي يقولونه، في شأن المرأة، فقذفوا بالباطل عليها، ودعوا الرجال إلى البطش بها، وعدوا الحقوق التي تطلبها ضرباً من الأوهام والأباطيل. من هؤلاء الأعداء نابغة مصر توفيق الحكيم الذي يجهر بعدائه للنساء في كل نهزة وسانحة، ويسخر قلمه للسخر منهن ومن ثقافتهن، وما كان هذا منه إلا ألعوبة أدبية يلوح بها في وجوه الناس ليزيدهم لآثاره تقديراً، وعليه إقبالاً، ولعلهم كانوا كذلك بادي الرأي، أما وقد عرفوا أفانينه، فإن "توفيقاً" أصبح لدى العارفين أديب تربص وانتهاز، فمنذ عهد قريب دعا قومه إلى تعدد الزوجات، وحين نشر الدكتور طه حسين كتابه "أحلام شهرزاد" ضاقت عين الحكيم عن تسريح النظر في هذه الأحلام التي صور فيها الأديب العميد "شهرزاد" في رداء من الحصافة والذكاء. ومن قبل نشر الأستاذ توفيق الحكيم فصولاً عرى فيها المرأة من مواهب الفن فزعم أنها لا تحسن إنشاء القصص التمثيلية ولا تستطيع أن تكون موسيقية تبتكر الألحان، وقد فاته من أدبنا القديم براعة المغنيات في عصر بني العباس، وفي العصر الحاضر من أهل اللحون نساء في المشارق والمغارب، أما الروايات التمثيلية فعهد العرب بها جديد، ولننتظر فإن الزمان لم ينفد أمده، وما يزال الإنسان حياً، فإن في مأتى الدهر نجوماً ستنجم يكون بينها مؤلفات للمسرح، وموسيقيات. ومن أعجب العجب أن تسكن عداوة الحكيم للنساء أشهراً لتكون وحياً جديداً للأستاذ عباس محمود العقاد، فقد نشر هذا الأديب العظيم مقالين زعم فيهما أن المرأة لا تجيد من الفنون غير فن الرواية، وكأن هذا الفن في نظره أهزولة هينة على كل كاتب، وقال إن المرأة ليست بشاعرة مبتكرة بل هي مقصرة ومكررة، لأن الشعر ابتكار واقتدار، وأنها لم تنبغ حتى فيما هو أقرب إليها وأحرى أن تتفوق به على الرجل وهو الرثاء، وإذا كانوا يضربون المثل بالخنساء فإنه ليس في ديوانها غير أبيات متفرقات في البكاء لا ترتقي إلى منزلة الشعر السيار، إذ كله تكرير لمعنى واحد، ولا يصح أن يقال إنه معنى من معاني القريحة والخيال. وقال العقاد: إن التصوير كالتمثيل، والمرأة فيه غير مبدعة. ولم تعرف نابغة فيه خلقت صوراً من محض خيالها وتفكيرها، كما يتفق لنوابغ المصورين من الرجال، وهكذا رأينا هذا الكاتب الكبير يجرد المرأة من مزايا الإبداع والإجادة حتى في الصناعات الخاصة بها، كالطهي والوشي، والزينة والخياطة، فزعم أن الرجل يبذها فيها وينافسها، ونحن نقول إن في عديد شاعرات الغرب قديماً وحديثاً، وفي شاعرات العرب اللواتي ـ روى شعرهن أبو تمام وأبو نواس، أو اللاتي ينشرن القريض بلغة الضاد أو بلغات أجنبية ما ينقض رأي العقاد، وفي الأديبات المعاصرات من أحرزت جائزة نوبل التي ما أحسب الأستاذ العقاد يزهد فيها، وفي النساء ممثلات كسارة برنارد وراشيل، ومصورات لا يحصى لهن تعداد، أليس فيما أشرت إليه حجة بالغة عليه؟ ونحن لم ننس بعد مرثيته لفقيدة الأدب في الشرق الآنسة "مي" فعداوة العقاد إذن كعداوة الحكيم، وكلاهما أديب أعزب(2) وعن النساء بمعزل، بل ما دار لدى الأول بين يديه في صحن داره كما يذكر هو في كتابه "عالم السدود والقيود" غير خادمه الأمين، وما وقفت في مطبخه طاهية ولا جارية، بل لم تخطر في فناء بيته وحجراته امرأة يدعوها بأم أولاده، والحكيم يعيش متجافياً عن المرأة وقد آثر مرة إِلفة حمار كما قال في نفسه في كتابه "حمار الحكيم". ويثور بالمرأة أديب آخر يمزح مزاحاً فيه حلاوة، وفيه مرارة، وهو الأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني (1889 –1949) الذي يتهكم على المرأة ويستهزئ بها في كثير من قصصه ومقالاته، حتى إن زوجته وبناته لا يسلمن من سخريته وزرايته.‏

وهناك أدباء كانوا لا يؤثرون الجد كله، وإنما يقصدون إلى تسلية القارئ بأحاديث يختلقونها، أو ينفخون في حجومها الصغيرة حتى تبدو متضخمة بدينة كالذي كتبه الدكتور زكي مبارك عن المرأة حين قال: كان أبوه يجرب متانة حذائه الجديد برأس زوجته، وأن المرأة لا يليق بها إلا العنف والازدراء.‏

وإني لأعجب لرأي علامة الشام الأستاذ محمد كرد علي(3)‏

(1876- 1953) في المرأة العربية كيف لا نجده منصفاً لها حين كادت تقبل عليها وجوه الإنصاف وطالما دعا إلى تعليمها ونهضتها، بل نراه ماضياً على ما يشبه رأي الأستاذ العقاد في أن المرأة لم تنبغ ولم تبدع في علم أو أدب ولا تحسن أمراً ولو كان من خصائصها الطبيعية كالزينة والطهي والخياطة.‏

وأحسب هذه الضروب من الأدب المستهزئ العابث بالنساء أصبح لدى معشر من أدباء العصر فكاهة الفن وطرفة التجديد، وما المرأة في هذا الزمان إلا مستيقظة من سبات، ناهضة من خمول وهوان، فعلام يحول أدباؤنا دون تحريرها ورقيها، ويباهون بالعداوة لها والزراية عليها! وكان الأولى بهم أن يعالجوا مشاكلها ويتفقدوها في مجتمعاتهم، ويجعلوا منها شريكاً في حياة كاملة طيبة، وما بال هؤلاء الأعداء ـ وما جادت الأيام بأندادهم إلا على هامات العصور ـ يسخرون أقلامهم للهدم والتحطيم، وقد شرفها الله فأقسم بها، وما كان مدادها، إلا ليشرق من سواده نور الحق والخير على بياض الأوراق؟‏

ليتهم سخروها لرعاية المرأة ورفعتها، ولسوف تأتي الأجيال القابلة فينظر أهلوها في آثار هؤلاء الناقمين على النساء، فيرون أن بعضهم كانوا هازلين عابثين، مباهين بأدب لحمته وهم وخيال، وسداه زهو وتحريف، ينتزعونه أحياناً من الأساطير، ويرددونه في الأدب الحديث باسم الفن والطرافة لقوم حرام عليهم اللهو والهزء، والعالم جاد في تقويم المجتمع وبناء الأجيال، ولو كانوا يريدون للنساء خيراً ونفعاً لأنشأوا لهن أدباً يبصرهن بالخير والحق ويعصمهن من الزلل ويجمع قواهن في قوة الرجال، فما ينبغي أن يتخلفن عن مسايرتهم في ركب الحياة.‏

يقول الراسخون في العلم والنافذون بأبصارهم إلى عالم الغيب: إن في حياة كل أديب امرأة كان لها أثر في نبوغه وإبداعه، وهذا ما ردده توفيق الحكيم منذ سنتين: "فمن أفواهكم ندينكم" يا أعداء المرأة، لولا نساء أظلمت عليكم قلوبهن فلم تدخلوها، لما كانت عداوتكم، وإذا دعوتم إلى تحقير المرأة والبطش بها فإن وراء دعوتكم تشفياً وانتقاماً، فقد يكون الدهر ابتلاكم بأهواء الحسان أو بلوتم زيوف النساء، فتجافيتم عن الخوالص الصحاح، وقد ثبت بالعيان والبرهان، وفي شواهد التاريخ الأدبي والسياسي أن عداوة المفكرين للمرأة لم تكن لوجه الحق، وقد قدمت في الكلام ما يحقق هذا الرأي من التحليل النفسي، حين نرد أعمال الإنسان إلى نوازعه الخاصة ومن ها هنا ينبغي لنا أن نحاسب أعداء المرأة الحساب العسير لأنهم قد أفسدوا المجتمع بآرائهم وأهوائهم، وكان المجتمع منساباً في كل حين حسب توجيه الفلاسفة والمفكرين، وكم من ضحية دسّ لها السم فيما كانت تطعم من الدسم.‏

وإذا بحثتم أيها المصنفون تاريخ السرائر والنفوس، فلن تجدوا منذ حواء واحدة من النساء قد نصبت نفسها لعداوة الرجل، ولو بحثتم عن أعداء النساء منذ آدم لوجدتم فيها الكثير، فخلوا عنكم أيها الأعداء، وحسبكم تسفيهاً للمرأة وتجريحاً، وعلامَ هذه البغضاء منكم والقطيعة، فما العمر مديداً حتى يحتمل فيه الكدر والخصام، ولا فيه صفاء يدوم لإنسان.‏

(1 ) تقصد به أبا العلاء المعري.‏

(2) نشرت مقالي هذا بمجلة "الرسالة" قبل زواج الأستاذ الحكيم.‏

(3) المذكرات.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244