مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 445 أيار 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

محمد محرر النساء(1)

كان مولد "محمد بن عبد الله" مواساة إلهية للشابة المفجوعة في فرحة عرسها بموت زوجها بعيداً عنها، فكان ميلاد اليتيم عزاء لتلك الأم الأسيفة المتلهفة، وجده المحزون.‏

ولد "محمد" في أعقاب دهر عصيب، لف الشرق والغرب في ظلمات الجهل والطغيان، بين قوم أحبوا المرأة وغلوا في غيرتهم عليها، وبين آخرين متطيرين، خيل إليها لشيوع الفقر والسباء عندهم أن المرأة سبب ذلة ومهانة لهم إذا فقدت حرمتها وكرامتها، أو كان السبي من نصيبها، فوأدت بعض القبائل ولائدها، وحرمت بعضها الأنثى كل ميراث، ولما طغى السفه والضلال كانت الأقدار تهيئ من وراء الغيب عهداً جديداً ينبثق من الآفاق المقدسة، لتغير مجرى العالم وتعطي الإنسان على الأرض حريته المثلى، على يد النبي الموعود.‏

لقد نشأ "محمد" وشب في تلك البقعة التي كان فيها أمر المرأة حرجاً، وكان من صنع الأقدار السماوية أن تتمازج حياته بحياة النساء منذ أبصر النور، ففي طفولته تعهدته مرضعته "حليمة السعدية" بحنان الرؤوم وكانت ترقيه على عادة العرب من عيون الحاسدين، إذ كان طفلاً لا كالأطفال، ثم حضنته "بركة الحبشية" التي شهدت مولد يتمه فسعدت بحضانته، واستروح في عطفها ورفقها روح أمه آمنة، فكان يقول عنها: هذه أمي بعد أمي... هذه بقية أهلي.‏

وامتلأ شباب محمد بحصافة الفكر، وطهارة اليد واللسان، فكان فتى الفتيان، له منهم نضارة العمر، لكن أحلامه ليست كأحلام الشباب، بل كانت رؤى النبوة الموعودة، وبشرى البعث الجديد.‏

كانت المرأة التي فتحت لمحمد باب المجد "خديجة بنت خويلد" التي أكرمها الله بأن كانت خير زوجة لخير زوج، مسّت قلبه بالحب والإحسان، وشدته بالأمل والإيمان، وكان بينهما من تفاوت السن وتجاوب الروح ما جعل "محمداً" سعيداً برعاية المرأة التي فضلته على أفضل أهلها وعشيرتها، فمضى في حياته الجديدة معتزلاً متأملاً، بين زهادة وعبادة، وبين تحفز وتأهب للإنقاذ والتحرير، حتى رف عليه نور الحق وتلقى وحي السماء، فلم يجد إلا زوجته الحنون مفزعاً لخشيته، فكفكفت من حيرته وعبرته، وآمنت بنبوته، قبل أن يؤمن بها أقرب أهله وصحبه من الرجال والنساء.‏

كان هذا الوحي الإلهي إيذاناً من الحق بزوال عهد بغيض شقيت فيه الإنسانية وضلت سواء السبيل، فقد بعث محمد رحمة للعالمين، وأنزل عليه القرآن معجزة باقية وشريعة خالدة لكل عصر ومصر ولكل فرد أو جماعة من كل شعب وأمة، فنادى للحرية والمساواة والإخاء، لهذه الأقانيم الثلاثة التي علم الناس معانيها، ودعاهم إلى تحقيقها، فكان سباقاً لأمتين عريقتين تنازعتا منذ قرنين شرف السبق إلى إعلان حقوق الإنسان، وقد فات الأمتين الفرنسية والأمريكية فيما صنعت الأولى بثورتها العظمى، وفيما جددت الثانية في الحقوق الإنسانية، أن "محمداً" ( كان أسبق منهما ومن "المنظمة الأممية في القرن العشرين" إلى إبداع تلك الحقوق بألف عام ونيف، فهي دستور عادل كامل ضمت أحكم المناهج الديمقراطية، وأقوم المنازع الاشتراكية في عصرنا، وفيها الدعوة الكبرى إلى تحرير المرأة وإنصافها، فقد أنزل الله فيها ما أنزل، وقسم لها ما قسم، ودلت سور القرآن على فضلها، وما ينبغي لها من تقديم وتكريم.‏

لقد رفع شأنها بنتاً وزوجاً وأماً، بعد أن كانت لا تعد شيئاً كما قال عمر في الجاهلية، فشرع لها ما لم تأت بمثله أحدث الشرائع والقوانين في أرقى الأمم الغابرة والمعاصرة في الشرق والغرب، إذ ساوى بين الرجل وبينها في الحقوق والتكاليف، إلا فيما اقتضت الحاجة والضرورة، فإذا رجحت كفة الرجل في شأن، عوض على المرأة ما يوازيه فيما يوافقها من أمر آخر.‏

وكأن محمداً حين جاء بهذا التشريع الرائع شاء أن يعلم الناس أن بناء الحياة لا يرفع إلا بتعاون الجنسين، وخصائص الفريقين، فإن الأمة التي تهمل المرأة وتجعلها لهواً ومتاعاً، أو تكون فيها مغلولة الروح مسلوبة الحق والحرية لهي أمة لا تستحق الحياة والبقاء.‏

في ذلك العصر المظلم الظالم، كانت المرأة العربية تعاني أشد مما عانت المرأة العربية، قبل عهد "محمد" إذ كانت لدى قومها رجساً من عمل الشيطان، فحرموا عليها الطيبات، وصدوها عن الضحك والحديث، وغلوا في عدوانهم وامتهانهم، فوضعوا على فمها قفلاً من حديد، وقد أمعنوا في ضربها كلما أحسوها تتنفس الصعداء، أو ترفع صوتها بالشكوى.‏

وتفنن الرومان في حرمان المرأة وازدرائها، ثم قصروها في عهد الترف والبطر على الغواية والفحشاء، وكذلك فعل المغول فكانت المرأة عندهم من سقط المتاع.‏

وهل كان ثمة أفظع في الطغيان والجور على المرأة مما طلع به على الناس مجمع "ماكون" بفرنسة في القرن السابع للميلاد، إذ تنادت هيئته للبحث في خلقة المرأة، هل هي إنسان؟ غير أن بعض المؤتمرين ترفقوا بها بعد جدل ونقاش، فقرروا أنها إنسان، لكنها خلقت عبدة للرجل!‏

فكانت رسالة محمد أعظم انقلاب شهده العالم لتحرير المرأة في الإنسانية جمعاء، مما عجز عنه جبابرة الفكر، ولم يخطر على بال فلاسفة الإغريق، ونوابغ الرومان في القانون والتشريع.‏

ولم تكن هذه الحرية التي دعا إليها محمد طليقة شاردة، بل كانت قائمة على الحق والعلم والأخلاق التي إنما بعث ليتممها ويعممها...‏

ولقد حررت هذه الحرية المثلى روح المرأة وبصرتها وهذبتها، فكانت المرأة العربية تؤثر المنية على الدنية، وتجوع الحرة ولا تأكل بثدييها.‏

ويا عجباً لهذا الشرع الجديد الذي حاط حرمة المرأة بالحصانة والأمانة، وقد انبسطت يد الله فوقها تبارك عليها وترعاها وتحميها في مستقبلها من بغتات المستبدين وانحراف المتقلبين.‏

رأى الرسول ( أن العلم يعلم الحرية الصحيحة فجعل طلبه أينما كان، فريضة بالتساوي على الرجال والنساء، فبأي المدارس تعلمت المرأة في عهد الرسول، وفي العصور التي أقبلت بعده فتفتحت فيها العبقرية النسائية، وشعت على دنيا العرب بالمرح والجمال.‏

كانت مضارب العرب وبيوتهم ومجالسهم مغارس علم وأدب، ومبعث وعي وتحرر، تعلمت المرأة فيها وتأدبت وتفقهت في الدين، وكان النبي ( أول معلم لها علمها ما لم تكن تعلم حتى حفظت القرآن وروت الحديث، كما روت الأشعار والأخبار وألمت بالطب والفلك، والأنساب والآداب، وعانت التشريع والسياسة، فقد شرع الرسول لها في دستوره الحكيم أن تتعلم ما شاءت، ولم يكرهها على ناحية من المعرفة دون ناحية، ولم يقل لها: هذه تلائم طبيعتك وحاجتك، وهذه تصرفك عن أنوثتك وأمومتك، بل ترك لها الحرية في أن تتعلم ما شاءت، فإن المتعلمة الذكية تفيد من أية ناحية من نواحي المعرفة، لاسيما إذا واتت فطرتها وحاجتها، ولاءمت حياتها ووجهتها وقد اختص الرسول النساء بمجلس كان يختلف إليه حيناً بعد حين لتعليم المرأة وتبصيرها، حتى أجاز لعائشة أم المؤمنين تلميذته الأولى أن تكون بعد حين مرجع الثقات والأئمة، من المحدثين والفقهاء، وقد منحها ثقة هي أغلى وأسمى من كل شهادة على مصطلح عصرنا، حين قال لصحبه وذويه: خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء...‏

وتمثلت، معاني الحرية التي أرادها الرسول للمرأة في كثير من مظاهر الحياة والمعاملات، تمثلت في إيمانها برسالته ودعوته، وفي تأييدها لجهاده وجهاد المؤمنين، ففي حومة النضال والقتال ومن خلف الزحوف والصفوف، كانت المرأة العربية تسير مع الرجل، تثير الحمية والإباء، وترقأ الدماء، وتروي الظماء، وقد تضرب العدو بسيفها حتى تلقى حتفها شهيدة موعودة بأجر المجاهدين، فلم يقل محمد للمستبسلة المناضلة: الزمي بيتك، وتخلفي للزوج والولد، وحسبك أن تعكفي على مغزل ومطبخ... وهو القائل لمن سألته عن جهاد الرجل، فأجابها بأن هذا الجهاد ليس بزائده مثقال حبة عن المجاهدة في الحرب أو في السلم لوجه الله، وقد امتلأت صفحات التاريخ بأنباء المجاهدات، من عائشة بنت الصديق، وأم سلمة، وأم سليم، ورفيدة الأسلمية، ونسيبة المازنية، وخولة الكندية وغيرهن كثيرات، بل إن محمداً لم يتجهم للمرأة حين أجارت أسيرين حمتهما "أم هانئ" بنت عمه أبي طالب من أخيها علي كرم الله وجهه، وقد عارض صحبه حماية أم هانئ للأسيرين المستجيرين بها، غير أن الرسول الأعظم رد هذه المعارضة قائلاً:‏

دعوا أم هانئ، فنحن قد أجرنا من أجارت، وأمنا من أمنت، وإن لها حقاً فيما فعلت...‏

وفي البيعة، كانت المرأة تبايعه أسوة بالرجل، ولم يكن يأنف من لقائها أو استماع شكاتها، إذا كانت مغبونة أو معذبة، فإذا سمع حجتها وصراحتها، تلفت نحو صحبه يبدي البشاشة والرضا.‏

وهل ثمة حرية شرعها الإسلام للمرأة أدل على تحررها، من احترام رأيها في اختيار زوجها، لقد أبى الرسول على الرجل أن يسوم المرأة في نفسها، أو ينازعها في حقها في الاختيار، فليس لأحد أن يغصبها في الزواج ولو كان محمد نفسه، فهذي بنت عمه أم هانئ مات عنها زوجها. فخطبها الرسول وردته قائلة: لأنت أحب إلي من سمعي وبصري، لكن بنيّ صغار، وحق الزوج كبير، فأخشى إن أقبلت على زوجي أن أضيع شأن الأولاد، وإن أقبلت عليهم أخشى أن أضيع حق الزوج، فلم يغضب الرسول، بل قال فيها وفي أمثالها:‏

خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، أحناهن على ولد في صغره، وأرعاهن لزوج في ذات يده.‏

ولم يحظر على المرأة حضور المجتمعات العامة التي يعقدها الرجال للشورى والنظر في شؤون الحياة وخدمة الأمة، إذ كانت المرأة تبادر إلى شهود تلك المجتمعات أيام محررها ومعلم الحرية وشارع العدالة الاجتماعية، ثم في عهد خلفائه الراشدين حتى المتشددين المتحرجين منهم، وويح عمر حين بغتته تلك المرأة الجريئة الصريحة وهو على منبره، يبصر قومه في أمور الدين والدنيا، وحين انتهى إلى طرف من التشريع النسائي، وقفت امرأة في الحضور تنقد عمر الخليفة العادل، وتقوم ما اعوج من رأيه، فلم يغضب عمر وإنما قال: أصابت امرأة وأخطأ عمر...‏

وإن كان في قوله امرأة، كثير من الغضاضة على النساء!‏

ومن هذه المساواة التي نادى لها الرسول كفاءة المرأة الرشيدة في شؤونها المدنية دون استئذان من زوجها أو ولي أمرها، مما لم تحظ به المرأة الغربية في أرقى الأمم المعاصرة.‏

وإذا كانت المرأة قد تساوت والرجل في حق البيعة، فإن نقلة من هاتيك العصور إلى يومنا هذا، تفتح أمام المرأة آفاقاً أغلقها الرجل في وجهها ظلماً واستبداداً، حين أهمل ما أراد الشرع لها، فلم يطبقه في وجه الحقيقة والعدالة، وترتفع الأصوات النسوية في الشرق والغرب بالتماس التسوية في الحقوق والتكاليف، ويردد صداها أنصار المرأة حتى يُستجاب بعضها أو كلها حسب النظم الاجتماعية والأوضاع السياسية، ويتاح للسوريات المتعلمات وهن في عهد تحرر واستقلال أن يأخذن حق الانتخاب، وبقيت لهن حقوق كثيرة لا يزلن دؤوبات لأخذها، غير متمردات على الفطرة، ولا حائدات عن الغاية المثلى.‏

ويفتح مجال الحرية المرجوة أمام الشقيقات العربيات، اللاتي طالما أهبن بأحرار الرجال إلى نصرة المرأة في حقوقها المهضومة، وبوادر الأمل تلوح اليوم للمصريات واللبنانيات يؤيدهن العلم والقانون.‏

ولئن أقر الشرع حقوق المرأة واعترف الرجل بها في صدر الإسلام وبعده، على الرغم مما طبعه من الأثرة والاستبداد، فإن هذه الحقوق بقيت في كثير من العصور حتى يومنا هذا مطوية كالقوة الكامنة التي تنتظر الإرادة والإنصاف، فهي موجودة مفقودة، موجودة في صميم الشرع وفيما أثر عن الرسول (، ومفقودة لأن الرجل المشرع أهملها وهضمها ليستأثر بها وحده، متبجحاً بالحرية والمساواة اللتين جعلهما الخالق من أجل الجنسين، فالمرأة العربية اليوم لا تطالب بحق التسوية المطلقة، وإنما تبحث عن هذه الحقوق المفقودة لكي يضعها المشرع المنصف موضع التنفيذ والتطبيق، وفاقاً للمصلحة العامة واستجابة لروح العصر وضرورة الحاجة.‏

فلولا "محمد" الذي رفع مشعل التحرير والخلاص في ظلمات الإنسانية لينير للرجال والنساء على السواء لبقيت المرأة متلفعة في غيبوبتها الأبدية.‏

فإذا ذكرت النساء "محمداً" في مولده وهجرته، وفي رسالته ودعوته، فليذكرن المحرر الأول، الذي عطف على المرأة وأنصفها من أجل كرامتها الإنسانية ومكانتها الاجتماعية، لقد حماها من كل ضيم وحرمان، وترك من بعده جناح المودة والرحمة منبسطاً على دنياها، حتى إذا كان اليوم الموعود وجاءته الصفوف خلف الصفوف، بالزحمة والزحوف، وجد نساء لا يحصيهن عدد غير الله، هاتفات باسمه في المحشر، متشوقات إلى رؤية المنقذ الحبيب.‏

(1) الكلمة التي ألقتها المؤلفة في حفل "معهد النجاح" الذي تتعهده بالعناية والتوجيه منشئته السورية العظيمة السيدة ماجدة جزار قرينة المربي العلامة الأستاذ هاشم بك الفصيح مدير التعليم الثانوي بسوريا.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244