مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 445 أيار 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

التقدم المرموق(1)

تهتاجنا الذكريات، ويثيرنا ماضيها وآثارها، فبقاع الأرض ومعالم الوطن وصداقة الناس، كل ذلك محسوب علينا، مكتوب في خاطرنا وصدورنا، وكل امرئ في هذه الدنيا، يحمل كتاب الذكريات ويدعوه الحزن أو الفرح، والبعد أو القرب، إلى أن ينشر بين يديه من حين إلى حين صفحات من هذا الكتاب، فيعيد حياته سيرتها الأولى.‏

كذلك شأني، ففي هذه اللحظات السعيدة أتناول هذا الكتاب السحري العجيب، الذي لا يراه غيري، ولا يقرأ سطوره سواي، فتنبعث بيروت في ماضيّ القريب البعيد، وأرجع بالسنوات القهقهرى فأراني من ههنا أطل على مشارف الحمى، وأتطلع إلى البحر والجبل، فكل بقعة من هذه البقاع حبيب إلى قلبي، لأن فيها منبتي ونشأتي، وعليها تفتح الفكر وجدّ الجهاد، فأنا اليوم حين أسرح النظر في هذه الوجوه الغر من الطالبات، أرى الصور المكرورة المعادة، فيخيل إلي أني أرى تلك الأسراب من تلميذاتي، وذلك الموكب من زميلاتي، وإذا كان الخلود حليف العلم كما يقول الحكماء وكانت المدرسة دارة لهذا التخليد، يمضي ربانها وأساتيذها ومعلماتها، وتتجدد الأزاهير في حديقتها كما تتجدد فيها مناهج التدريس وألوان الثقافة، فإن شيئاً واحداً يبقى خالداً على الأيام، متصل الأول بالآخر، والجميع يتعاقبون في خدمته وبذل العمر والفكر في رعايته ذلك هو التلميذة، فهي الخالدة التي لا تنقطع، والمتجددة التي لا تبلى ومن أجلها قام كل ذلك من معاهد ومناهج، وأساتيذ ومدرسات.‏

وكذلك فإني اليوم أرى الجديد في القديم، والقديم في الجديد، وهذا برهان أكيد على أن الفتاة اللبنانية ماضية في سبيلها، ساعية إلى أهدافها بشوق وإيمان، وكيف لا يواتيها المراد وقد وهب الله لها طبيعة ساحرة، وجبلاً مهفهف النسمات طيب العبير، مفجر الينابيع ينسدل سفحه الأخضر إلى بحر أبيض يقذف بالخير والطموح، وإذا كان هذا الجبل الملهم الأشم ينفح بالشعر والعطر، والعذوبة والجمال، فليس بمستكثر عليه أن تكون فتاته ممتعة بالموهبة والذكاء، فيا فتياتي العزيزات اللواتي يقام من أجلكن هذا الحفل الكريم، أنتن سفيرات المستقبل، والثمرات بعد الزهر، وما أنتن اليوم إلا واقفات على عتبة المجتمع، وغدا تندفعن أسراباً بعد أسراب وأفواجاً بعد أفواج، إلى حياة جديدة وآفاق مترامية، فتغمركن الأيام بشؤونها وشجونها، وحينئذ يعزكن العلم الذي تلقيتنه في هذا المعهد، وتفزعن مع هذا العلم إلى السلاح الذي زودتكن به مربياتكن الفضليات، فهو وحده سيدفع عنكن مكاره الحياة، واذكرن أبداً فضل هذا المعهد فإن له في أعناقنا ديناً لا يؤدى إلا بالحفاظ على رسالته وتعاليمه، وإن له لأثراً كبيراً في تقدم النهضة النسائية في هذا البلد الطيب، إذ كان المصنع العلمي الدؤوب، الذي قدم وما يزال يقدم في كل عام، نخبة من فتيات الجيل هن أزاهير المجتمع النسائي الجديد، يضفين عليه من نقاء السمعة وحميد الصيت عطراً وفخراً.‏

وكانت يد الله مع الذين يرعون هذا المعهد النموذجي، من رجال الخير والمعرفة في جمعية المقاصد، حتى كانت المقاصد الإسلامية، عالماً علمياً وإنسانياً، له مكانته السامية في قلب لبنان ودنيا العرب.‏

وما مرحلة التعليم التي اجتازتها الطالبات المنتهيات من حلقة الدراسة إلا أول الطريق، فمن أغلقت منكن يا فتياتي العزيزات كتابها بعد المدرسة، واكتفت بما تعلمت فيها، ثم تصدت للسعي والظهور من غير زاد فكري وثقافي، كانت كالمجاهدة بدون سلاح.‏

وكأني بالسنين قد غبرت بكن قُدُماً، فإذا أنتن أمهات وسيدات بيوت، وكواكب مجتمع، وإذ بواحدة منكن أو أكثر تشهد مثل هذا الحفل الجميل، فتعيد الذكرى إلى نفسها حياتها الماضية يوم كانت تلميذة أو معلمة، مثلما أعيد الساعة هذه الذكرى بهزة وحنين فليت شعري وقد وَفّيْتَ الطالبات حق الذكريات، ففيم يهتاج الخاطر من أجل الرائدات المجاهدات.‏

لقد شقت المرأة اللبنانية طريقها إلى الحياة العزيزة النافعة بعلم وبصيرة، حتى شعت عبقريتها على آفاق النهضة النسائية العالمية فكما كان الفينيقيون في قديم الزمان، يشقون عباب الماء إلى العالم البعيد حتى ملأوا الدنيا القديمة بآثارهم ونبوغهم، كذلك حاضرهم المرموق، والمرأة المثقفة فيه برهان وعنوان، فهي تحت كل كوكب وفي كل أفق من آفاق الشرق والغرب، متحررة العقل والروح، ويكاد شعاعها يلمح مع كل شارق.‏

وإذا عدنا إلى سجل النهضة النسوية العربية وجدنا المرأة اللبنانية كانت أول من صرخت في وجوه الحكام البائدين، منذ الحرب العالمية الأولى: أعطونا الحرية...‏

ومن بين الدور والقصور، برزت القافلة النسائية البيروتية، التي دعت إلى الحق والنور بإيمان وإحسان، ثم بقيت تكافح وتنافح وتسعى في الملمات القومية والوطنية، وفي زحمات الحوادث(2) إلى مشاركة الرجال فيما تستطيع عليه من أعباء وتبعات، حتى كان الأمس القريب فكانت اللبنانية أول امرأة عربية طالبت بحقوقها الاجتماعية والسياسية، وناقشتها في ذلك حكومتها، وكان أخذ وكان رد، والحقوق تؤخذ ولا توهب، فهي تسعى إلى رفع مستواها الاجتماعي والفكري حتى يتحقق لها ما تستطيع عليه ويليق بها في الحياة العامة، وقد أثبتت بوعيها وثقافتها تقدماً واسعاً في مجال نهضتها، وهي في كل يوم حانية على الإنسانية المعذبة تخفف عنها آلامها وهمومها، وفي محنة فلسطين كانت لبوءة مزمجرة تحتج وتجاهد في سبيل الأرض المقدسة التي عدا عليها الغدر والطغيان وشرد أهلها ظلماً وهم ألوف، وفي مضمار العلم والثقافة كانت اللبنانية مجلية متفوقة، فمنها المعلمة والمحامية، والطبيبة والأديبة، وهل ننسى أن أول صحافية في شرقنا العربي، هي من هذا الأفق الطلق الجميل.‏

غير أني لا أنساق في زهو واعتزاز لا جدوى عنده، فإن المرأة اللبنانية لم تقنع بما أدركت من مجد وتقدم، إذ لا يزال أمامها أشواط خلف أشواط، وأشواك بعد أشواك، وكلما عظم المطلوب قلّ المساعد كما قال شاعرنا المتنبي، فالتبعات والتكاليف متعددة متجددة، والدرب مديد، فعليها إذن أن تقدر مهمتها، وأن تؤدي رسالتها على أحسن وجه، وأقوم سبيل، وأن تفهم معنى "المسؤولية" في نهضتها، فهي تمضي في زحام وغلاب ويكاد منكبها يصطك بمناكب الرجال، وفيهم الشامتون والواقفون بالمرصاد، ممن لا يروقهم أن تتقدم المرأة وأن تعمل على مكانتها وكرامتها، فكأنهم يريدون الحياة لهم وحدهم، وما فيها من خير ونعمة، ليحبسونا في البيوت، ويحصرونا في المطابخ، وهذا من شأننا ولا تثريب علينا فيه، لكن لنا الحق نحن النساء من أمهات وفتيات، وذوات بيوت ومجاهدات، أن نطل على العالم وأن نفتح الأبواب لنمضي في موكب الزمان.‏

لقد مضى العهد الذي كانت تفرض فيه علينا الإقامة الجبرية، وأصبح من حقوقنا أن نتنفس كما يتنفس الرجال، فالهواء للجميع والشمس للجميع، لكن علينا أن نثبت اقتدارنا على احتمال ما تأتي به عواصف الريح ولفحات الشمس، وأن ندل بالعمل الصالح على كفايتنا ومواهبنا، وأننا جديرات بحق الحياة كجدارة الرجال سواء بسواء، وعند ذلك لا يقف في سبيلنا أحد من المتصلبين والمتعصبين، مهما غلا في أثرته وعناده.‏

وطريقنا إلى هذا المجد النسوي المنشود، أن نكون خير الأمهات والزوجات، وأخلص المديرات والمربيات، للبيوت والأبناء وأوفى المجاهدات للعروبة والوطن، على أن لا نهجم على هذه النهضة هجوم الجياع على القصاع، فما كل امرأة ينبغي أن تكون زعيمة أو معلمة، ولا كل سيدة يجب أن تصير طبيبة أو موظفة، فكل من النساء ميسرة لما خلقت له من أمومة وزعامة، ومن تدبير للمنزل أو تمرس بالفنون، والقضايا الاجتماعية والإنسانية.‏

هذا ما أدعو إليه سيداتنا وفتياتنا في نهضتهن الحاضرة، حتى إذا عرفن معنى هذه النهضة، وقدرن التبعات والتكاليف من أجلها، لم يسئن إليها بالرياء والتخاذل، ولم يمسسنها بالاستهتار والغرور، لأنها من أقدس الواجبات النسوية، فهي هيكل خالد لكرامتنا العقلية وعالمنا الروحي، بل هي حلقة غير مفقودة، تتصل بمجد المرأة الغابر الذي لا يجدينا الزهو بكبريائه إذا لم نعتصم بحبل الله ونبرهن بخصالنا وأفعالنا، على أننا أهل لذلك الميراث النسوي الخالد.‏

فلنعش إذن في هذا الطرف من عالمنا الإنساني الواسع، متبحبحات لا متبجحات، ومخلصات لا منغصات، ولا يتسنى لنا ذلك إلا بالعلم الصحيح والخلق الكريم والإيمان بالمثل العليا، فإذا استطعنا أن نكون جديرات بما نسعى إليه، أشرقت علينا في هذا الشرق الفواح، شمس ترف من سماء لبنان، منسابة الشعاع، على أفواف الأرز والصنوبر، نفاحة بالأمل والحياة، ساطعة كوجه الله.‏

(1) الكلمة التي ألقتها المؤلفة في مهرجان كلية البنات للمقاصد الإسلامية في بيروت سنة 1949 والكلية أكبر معهد وطني للفتيات كانت تديره المربية الكبيرة الآنسة زاهية دوغان بما عرفت من أدب وتقوى، ووعي ثقافي وقومي، وقد كان من مآثر الفضل في هذا العهد العظيم أن تولت تأسيسه وإداراته السابقة السيدة العظيمة يسر فاخوري نقاش.‏

(2)من الجدير بالذكر في هذا الصدد أن أنوه بفضل طائفة من رجال الأمة الأحرار الذين دعوا إلى تعليم المرأة ورفع شأنها، وفي طليعتهم أناس فقدهم لبنان لكنهم خالدون بالذكر والأثر، منهم محمد مختار بيهم، ومحمد الفاخوري، وأنيس الشيخ وسليم علي سلام والد الأفذاذ وفيهم كريمته الأديبة عنبرة سلام.‏

ومن الأنصار الذين يدأبون لخير المرأة وكرامتها الصحافي الكبير محمد الباقر والعلامة محمد جميل بيهم، والأستاذ جورج باز، والنصوليان العبقريان محي الدين وأنيس.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244