|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
ثقافتنا الفنية ليس في سورية اليوم نهضة نسوية بفحواها ومدلولها المصطلح عليه، فأتحدث بآثارها ومظاهرها، لكن الأمل كبير بأن تحظى المرأة السورية الحديثة بهذه النهضة المرجوة التي طلعت بواكيرها على ضفاف النيل وفي مشارف لبنان، ولابد من يوم قريب تستقر فيه الأوضاع السياسية والاجتماعية فتتكامل النهضة النسوية الشامية ويكون الفن من قواعدها ومعالمها، ولئن تناولت الكلام على المرأة العربية عامة والسورية خاصة في ثقافتها الفنية فلا مناص لي من معالجة الموضوع في النواحي التالية: المرأة السورية في الحياة المسرحية والتمثيلية، وفي دنيا اللحون والفنون. إذا بدأت القول في هذه الناحية عدت إلى ماضٍ ومكان ليس ببعيد ولا سحيق، لعله كان في أعقاب القرن التاسع عشر، حين قامت دمشق وقعدت، لحادث جديد في حياتها الاجتماعية شغل العالم وملأ الدنيا حتى بلغ الباب العالي، وبلاد الشام كان يحكمها في ذلك الزمان آل عثمان، فثار من أجله السلطان الأحمر الذي كان يشرف من قصره المنيف على البوسفور. فما الذي حدث في دمشق حتى هاجت الفيحاء وماجت، وانتهى الخبر والأثر إلى الآستانة؟ ذلك أن أبا خليل القباني (1833- 1903) أقام مسرحاً في حمام القيشاني، أو في منزل آخر من منازل دمشق العتيقة، وجعل يعرض للناس قصصاً وروايات تمثيلية، يسميها "القميضة" الكوميدي. ماذا صنع هذا الرجل حتى عدّ القوم أمره بدعاً وعجباً؟ إنه أخرج الفتية المرد على المسرح بصور نساء، فصنع لهم الضفائر المجدولة والثياب المتهدلة التي تجرجر ذيولها، وحمّر خدودهم وألقى عليهم صفات الأنوثة في الحكاية والتمثيلية، حتى يكاد يحار النظارة فيهم، أكانوا ينظرون إلى رجال في صور نساء، يخفقن أمامهم مهتزات الخصور، مكحولات العيون، مزججات الحواجيب؟ يا غيرة الله، إنه لخطب داهم!! فماذا صنع الشاميون بأبي الخليل الذي ابتكر لهم فن التمثيل، وما كان جزاؤه عندهم؟. لعل الذكرى تؤلم حين يسطر القلم أنهم ائتمروا به وتناولوه بالغضاضة والتعبير، ظانين أنهم إذا اضطهدوه ونغصوه، فلوّا من فنه وغلبوه على أمره، وما كان الاضطهاد إلا ليزيد أبا خليل مضياً في الرسالة الفنية التي ألهمه البرناس العربي أن يؤديها إلى الجيل، مهما حاق به الويل والتنكيل، فهجر الديار السورية، وإذا هو بعد حين على ضفاف النيل، والقاهرة يومذاك ملجأ الأحرار فأخذ أبو خليل يبدع للمسرح المصري لوناً جديداً، فيه الجد والهزل، فيه غناء ملحن يسمى عند الفرنجة بالأوبريت، فكيف عرف أبو خليل هذا اللون من الغناء الجديد وهو لم يذهب إلى الغرب ليقتبس منه هذا الفن الطريف؟ لعلهم حدثوه به فقلده وأجاده، وكان في غنائه ولحونه، رقص "السماح"، فأقبل عليه المصريون مغتبطين، وحفزوه إلى الإبداع حتى أقام هو والشيخ سلامة حجازي بفرقتيهما الكبيرتين مسرحاً للتمثيل العربي، كان في مستهل هذا العصر، فاتحة لنهضة فنية، رسخت قواعدها على ضفاف النيل. من ذلك الحين قُضي على المسرح في سورية، فلما ابتليت هذه البلاد بانتداب الفرنسيين حاول بعض هواة التمثيل أن يعيدوا الحياة للمسرح، فاضطهدوا وأوذوا، إذ مثلّ نفر من الشباب رواية حماسية وطنية، كان الخطب بعدها فادحاً، فقتل هذا الفن يوم مولده من جديد، وبقيت دمشق محرومة التمثيل طوال العهد البائد، إلا مسرحاً للغناء الشعبي والفكاهة التافهة كان هزيلاً مطلاً على بردى، يأوي إليه طائفة من الدهماء وأهل القرى كلما انحدروا من الغوطة في أماسي دمشق. فأين المرأة السورية في نهضة التمثيل؟ أحسب أن لا أثر لها ولا يد فيها، ولولا مشاهد من السينما تأتينا من صوب مصر تلوح فيها المرأة السورية بأدوار طفيفة خفيفة، لقلت إن الأرض ما تزال قاحلة ماحلة، وإن فيها لظمأ إلى بلّ المطر، على حين تجد المصرية واللبنانية بما أتيح لها من حرية وتمازج، وتشجيع قد سبقتا إلى المسرح، واستطاعتا في ظلاله على تنمية مواهبهما، وتغذيتها بالمرانة والمراس، فظهرت من بنات النيل ولبنان، ممثلات بارعات إذا قعدت بهن الثقافة التمثيلية عن اللحاق بحسان هوليود، فإن منهن من حظيت بمكانة مرموقة في الحياة المسرحية. وقد كان لنهضة الأدب في مصر أثر كبير في الثقافة الفنية النسوية، وكم لشوقي (1868- 1932) من يد على الفن في نظم المسرحيات، وحين شهدت فاطمة رشدي، وأمينة رزق وأمثالهما قلت إنهن ممثلات موهوبات لا يتعاظمهن احتلال المكانة اللائقة في التمثيل العربي، هذا التمثيل الذي أقامت له الحكومة المصرية معهداً عالياً تتعلم فيه الفتاة إلى جنب الفتيان، ولا يتاح فيه القبول إلا للحائزين على البكالوريا والفائزين بالشروط المطلوبة معها، أما اللبنانية فتمثلها في التمثيل السينمائي الآنسة الموهوبة ألكسندرا بدران المعروفة بنور الهدى، وقد استطاعت هذه الفنية الرصينة أن تمضي إلى غايتها قدُماً بما أوتيت من سمعة فاضلة ومواهب أصيلة في الغناء والتمثيل. ولست بسبيل النقد الاجتماعي، فأعلل انصراف المرأة السورية عن فن المسرح فإن هذا يطرح مطارحه بعد أن يبني الرجال هيكل هذا الفن، وأحسب أن العرف المحتوم في التقاليد والعادات سيحول طويلاً دون هذه النهضة المسرحية والتمثيلية، وللمرأة السورية اليوم مندوحة عن هذا باستيفاء نصيبها من الثقافة والمعرفة. كذلك ضاقت الآفاق على السوريات في الغناء، فإذا عدنا إلى زمن قريب وجدنا أن بلاد الشام أطلعت موهوبات وملهمات في الغناء والتطريب أودع الله حناجرهن أصوات العنادل، لكن هذه الأصوات لم تستطع التغريد على سجيتها وحريتها، فانتفضت صواحبها من قيود البيئة وتقاليد البلد، وفزع بعضهن إلى مصر حين اتسعت الآفاق والموارد، وهنالك كانت دور السينما والتمثيل ومسارح الغناء والطرب، تتلقاهن بحفاوة وتقدير على الرغم من كل تنافس وتحيز. لقد كن بذوراً حلوة خلقها الفن في أرض جدباء، فلما أتيح لها أن تنقل إلى وادي النيل حيث يطيب الغرس، أزهرت تلك البذور وأثمرت، ولكم يشوقنا أن نسجو بالأسماع إلى قمرية الشهباء "ليلى" التي أنجبتها مدينة سيف الدولة، وقد ترددت أغاريدها على ضفاف النيل وفي ظلال النخيل وغير "ليلى" مراد، ماري جبران، وزكية حمدان، وسواهن كثيرات ظهرن في مصر مغنيات، لهن في سورية أصول ونمتهن فيها أعراق تحنّ المسامع إليهن في كل حين، ولولا أن الإذاعات قربت منهن الأسباب، ومشاهد السينما اطلعت بعضهن مطالع التقريب لاشتدت لهفة سورية إليهن، وما يزال صوت الحاكي والمذياع يرجّع صوتاً خالداً على الزمان، تميد له النفوس وتبكي العيون على شعلة عربية سطعت من جبل الصيد المناجيد، بني معروف، ثم انطفأت في أرض مصر، فريح أسمهان، أي صوت شامي حنون تركت دويه في الوجود! وكأن إلهام الفن تنزل من عليائه على حنجرتها، وتردد في صداها. لقد ذهبت أسمهان قرباناً لهذا الفن الذي عاشت من أجله، وبقي صوتها يهدهد الجوانح الحرى، ويملأ الأسماع باللهفة والحنين. وفي سورية عدد من الشاديات الناشئات والمتمرسات المحترفات لو يتاح لهن توجيه فني لبرزت الموهوبات لأول الصفوف، أما في لبنان فمجالهن أقرب وأرحب، وقد أتيحت لبعضهن شهرة بعيدة كسهام رفقي ذات الطابع الخاص، ونجاح سلام التي أخذت الفن عن أبيها الموسيقار المجدد محي الدين سلام، و"صباح" الفغالية، و"نور الهدى" وكلتاهما يفوح شباب لبنان في غنائهما وأدائهما. هذه إلمامة خاطفة عن طائفة من المغنيات الفنيات، عرفهن القوم وكم دون الحجاب وفي ظلال البيوت، أصوات مكبوتة لم يقيض لها أن تشقشق وأن تملأ الأرواح من تغريدها، ولقد أسمعت منذ سنين صوت فتاة ما أحسب عرش أم كلثوم يبقى قائماً لو تمرست هذه الفتاة بالغناء والتطريب، غير أنها تزوجت واستسرت في قيود البيئة فكبت الفن في نفسها، ورب شعور يهتاج فيها، فتغمغم أغنية حبيسة لعل فيها العزاء والسلوى عن أمل ضائع وفن شتيت، وقد تكون اليوم في بيتها بين الولد والمطبخ.. وفي الموسيقى لم تعرف السوريات مبدعة أو بارعة مارست هذا الفن الجميل أو وقفت جهدها عليه، غير الآنسة إيلين عجمي شقيقة الآنسة ماري عجمي، وكانت سورية في زمانها البعيد لا تخلو من موسيقيات، صناجات وطنبوريات، وعوادات وربابيات، لكن هذا الفن انحط على تراخي الأيام، وبقيت السوريات ذوات شغف بالطرب، ففي بعض مجالس السمر ومواعيد "الاستقبال" نسمع عوادات مجيدات، ينمنمن بالأنامل على الأوتار، غير أنهن متكتمات يؤثرن التطريب والعزف على بعض الآلات في خلواتهن، أو في مجالس صواحبهن. إن التعليم النسائي في سورية لا يعنى بالموسيقى والتلحين، عناية المصريين بهذا الفن الأصيل، وإن لها في بلاد النيل ندوات ومعاهد، أجزلت لها التشجيع واختصتها بالعناية، وأدخلت الحكومة تدريس الأناشيد وآلات الإيقاع في مدارس البنات، وأنشأت لها معهداً ثانوياً وعالياً لمعلمات الموسيقى والاختصاص بما تنبغ فيه الفتاة، وتتعهد الفن في هذا المعهد عميدته الفضلى إحسان كيلاني وفريق من الموسيقيات المثقفات منهن بثينة فريد وعائشة صبري وليلى فرح، وغيرهن كثيرات يتفوقن بالمسابقات العامة. وقد كان لهذا النوع من الثقافة الفنية أثر محمود في توجيه الفتاة المصرية الحديثة، ولا غرو فإن هذه الثقافة من مقومات التعليم النسائي، ومتممات حاجته المعاصرة، ومن العجب أن يقتحم التطور أكثر نواحي الحياة في سورية دون هذا التعليم الذي بقي معظمه صورة عن تعليم البنين، فأين الرياضة الحديثة للبنات على أنغام الموسيقى وهدهدة الإيقاع، وأين الأناشيد المدرسية للفتيات التي تحيي فيهن الأمل من أجل حياة أبقى وأنقى، وأين دروس الموسيقى التي ضلت فيها الفتاة السورية السبيل، فلا غناء ولا تمثيل، ولا أداء ولا إلقاء من أجل الفن، ففتاتنا تخرج من معهدها مزودة بالإجازة والشهادة للوظيفة أو الظهور أحياناً وقد أضاعت كثيراً من أنوثتها ثم تنسى بعد حين تلك الدروس الحشوية النظرية، فإذا شبت ودخلت الحياة الاجتماعية والزوجية لم تجد بين يديها إلا القليل. وما تزال الثقافة في الرسم والتصوير دونما هي عند الرجل، فالمرأة فيه زاهدة مقيدة، وعنه منصرفة متلهية، ولم تعرف عندنا مصورة نابغة لفتت الأنظار إلى متحفها وروائع فنها، وتدريس الرسم في مدارس البنات يجري تقليدياً راتباً ليس فيه تطور ولا تجديد، لأن أولي الأمر يحسبون أن الثقافة التصويرية من "الكماليات" للمرأة، وقد فاتهم أنها والموسيقى ضرورة مقضية، فهما قوام الثقافة الفنية النسائية، على حين تجد مصر الحديثة معنية كل العناية بتعهد هذه الثقافة في التعليم المعاصر، وقد شهدت بمصر، إبان مقامي بها معارض فنية أقامتها مصورات مصريات أوتين مواهب الرسم، وتلقين الاختصاص بهذا الفن في ديار الغرب ثم عدن إلى الوطن ومعاهده مزودات خير زاد من ثقافة الفكر والفن، فملأن الفراغ في نواح من النهضة النسوية والحياة الاجتماعية، وإن منهن من باعت صوراً ولوحات بأغلى ثمن، وهذه الصور واللوحات التي أجادها فن المصريات تزين اليوم قصور الكبراء والأمراء ودور المفكرين والمثقفين، ممن يقدرون الفنون الجميلة، وهنا أذكر بأن في وادي النيل من بناته الفنيّات مصورات موهوبات، هن الحجج البالغة التي تنقض رأي المناوئين للمرأة، الذين يزعمون بأن المرأة لا تبدع في الفن ولم تؤت مواهبه ومزاياه، فمن هؤلاء العبقريات زينب عبده وإنعام سعيد وعزيزة يوسف وعدالت كمال وأليس تادرس وكوكب يوسف فقد جمعن بين الفن الأصيل والفكر المتحرر والمثالية والروحية والوطنية. أما في لبنان فعلى الرغم من قلة المعاهد المختصة بهذه الثقافة فقد أبت المواهب إلا أن تظهر في نفر من النساء كن موسيقيات ملهمات، ومصورات فنيات، منهن الأديبة السيدة سلوى محمصاني مومنة (1908- 1957) التي جمعت بين الأدب والفن. على أننا لو تأملنا عناية السوريات بهذه التحاسين والتزاويق التي ينثرنها في بيوتهن زينة وفرشاً، ويصنعنها بأيديهن كساء ولبوساً، لأدركنا فيهن وعياً لكل فن وثقافة، ولكن يعوزهن التوجيه والتشجيع، فالمواهب إذن دفينة مستكنة، تحتاج إلى بعثها ورعايتها، وأذكر أني شهدت في دمشق بيتاً أشبه بمعرض فني منوع ملأته السيدة الحلبية أثاثاً وزخرفاً، مصنوعاً من الخشب والنحاس، وبعضه من الزجاج والورق، فيه الخزائن والمناضد، وفيه الثريات والمشاجب، وكثير من الصور الملونة التي كانت من صنع السيدة، فليت فتياتنا السوريات يقبلن على هاته الصناعات الفنية التي تفتح لهن آفاقاً جديدة، وتكون لبعضهن حرفة يتكسبن بها أو ألهية شريفة تصرفهن عن كل لهو فاسد، وفراغ مملول، فيملأن البيوت والمعارض بما صنعت أيديهن وأبدعت مواهبهن. وإذا كانت هذه الفنون وأكثرها ملتصق بطبيعة المرأة، مما يثقف الفكر ويصقل الذوق ويهون الخطوب، فما أحرانا بأن نسعى إلى توجيهها وجهة صحيحة صريحة، ولن تتحقق ثقافتنا الفنية كما تحققت عند غيرنا ممن سبقنا إليها، إلا إذا تعهدتها الحكومة، فرعت مغارسها وجددت معالمها، فحببتها إلى فتيات اليوم وقربتها منهن، فهي أجدر ما ينبغي أن يعنى به في التعليم النسائي، ولعل المرأة السورية الحديثة كلما أحاطت بألوان الثقافة ارتقت في آفاقها هذه الفنون، فتكون من دعائم نهضتها التي يعوزها التطور والتجدد، وإن شيوع المعرفة بين النساء وتبدل الآفاق وتمازج الثقافات كفيل بميلاد عهد جديد للمرأة السورية تبرز فيه موفورة الفن والطموح، مستتمة لوعيها ورقيها، فتكون لها نهضة فنية مرموقة. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |