|
||||||
| Updated: الاحد, أيار 25, 2008 01:04 م | ||||||
| فهرس العدد |
|
من كبار قدامى المجاهدين الجزائريين (لحول حسين) ـــ محمد الصالح بوسلامة(*) (*) مجاهد رافق الثورة الجزائرية والاستقلال. يعد (لحول حسين) من أبرز الشخصيات الوطنية الجزائرية في التاريخ النضالي السياسي الثوري التحريري لهذا الوطن، وأيضاً يعد من الذين فرضوا أنفسهم بخصالهم النبيلة وأعمالهم الجريئة الذكية الجميلة على التاريخ في جميع مستوياته النضالية والسياسية والتحريرية؛ ليدخله مدخل صدق من بابه الواسع، وليسجل في صفحاته أعمالاً ديمقراطية لا تقدر بثمن، ذلك أن المتتبع لسيرة هذا البطل في مساره النضالي يجده قد وهب نفسه منذ المرحلة الأولى من شبابه القصير فألزمها على السير في الخط النضالي السليم الناجح، مصمماً على أن يفرغ كل قوته الفكرية ومجهوداته البدنية والعضلية، وطاقاته العقلية والعلمية، وبراعته السياسية من أجل القضية في سبيل استعادة مجد الجزائر وعزتها وكرامتها المفقودة مثلما كانت عليه في صورتها المشرفة في ماضيها قبل احتلالها من قبل العدو الفرنسي من 1830. ولد الطفل (لحول حسين) بمدينة سكيكدة سنة 1917 في أسرة من أسر الجزائر المسلمة، الأصيلة، فأولت هذا الابن منذ نعومة أظفاره رعاية حميمية خاصة، وحضنته بالتوجيه السليم نحو التربية الإسلامية وأدخلته في طفولته أحد الكتاتيب القرآنية. وللعلم فإن أبواب المدارس الابتدائية أو التكميلية أو الثانوية في ذاك العهد الاستعماري كانت فقط مفتوحة لأبناء المحتلين من النصارى واليهود وبعض أعوان الاستعمار من الجزائريين الخونة وقلة قليلة من أبناء الجزائر من الطبقة المتوسطة، أما بقية السواد الأعظم من الجزائريين فإن الظروف المعيشية وتعنت العدو الاستعماري في منع أبناء الطبقة الفقيرة وحرمانهم من الدخول إلى المدرسة جعلهم كلهم يدخلون في عالم الأمية، ولم يبقَ لأبنائهم من الحرف إلا رعي البقر والأغنام، والخماسة في إحدى مزارع المعمرين، والكثير منهم يعيش فقيراً بطالاًَ، أما بالنسبة إلى أسرة الطفل (لحول حسين) فقد استطاعت أن تدخله المدرسة الابتدائية ليواصل دراسته فيها بنجاح، ويحصل في ختامها على الشهادة الابتدائية بتفوق، هذا المستوى الذي أهله أن ينتقل إلى مرحلة التعليم المتوسط، أي (السيوجي) كما كان يسمى في ذلك الوقت مع العلم أن هذه المرحلة من التعليم في العهد الاستعماري لا يستطيع الوصول إليها من أبناء الوطن إلا من كان مجتهداً متفوقاً، وقد حصل الشاب لحول على التفوق عن هذه المرحلة ـ ونال شهادة البروفي ـ وانتقل إلى المرحلة الثانوية دون صعوبة تذكر، وهو ما يوافق شهادة البكالوريا، وهي مرحلة من التعليم قل أن بلغها أفراد من أبناء هذا الوطن، لأن الكثير منهم كان يتوقف (مشواره) الدراسي عند الشهادة الابتدائية أو التعليم المتوسط، ولكن الطالب لحول حسين بعد أن بلغ هذه المرحلة من العلم وهذا المستوى من التفكير بدأت ترتسم أمام عينيه الحقيقة المرة وتتجلى كلها، وهذه الصورة البشعة للاستعمار الفرنسي في تعامله بغلظةٍ واستبداد مع أبناء وطنه، وأيضاً عن حياة الفقر والبؤس وهو أنه الوطن الأصلي بينما أبناء المحتلين وهم الغرباء عن هذا الوطن يتمتعون بكل خيراته ولذائذه وبكل صنوف الحياة الرغدة السعيدة وقد وفق الشاعر أحمد شوقي في شعره حيث وصف العدو المحتل الفرنسي بقوله عن طريق الجمع بين كل الشعوب المضطهدة:
ومما لا شك فيه أن الطفل لحول حسين بما مكن الله فيه من الذكاء والمعرفة وحب الوطن قد تابع في سن مبكرة بشغف واهتمام الحركة السياسية التي كان يشرف عليها ويديرها الأمير خالد بن الهاشمي ابن الأمير عبد القادر بن محيي الدين، وبالرغم من أن هذه الحركة السياسية قد جاءت في سن مبكرة من حياة الطفل لحول حسين إلا أن توسعها وامتداداتها السياسية قد تجعله يستفيد منها كثيراً ويتأثر بها في حياته النضالية المقبلة، والأمير خالد هو ابن الهاشمي بن الأمير عبد القادر بن محيي الدين ولد بدمشق سنة 1875، وتعلم فيها وجاء أبوه الهاشمي إلى الجزائر سنة 1892 فأدخل ابنه (الأمير خالد) إلى المدرسة الثانوية في العاصمة، بعد أن أنهى دراسته فيها أرسله في بعثة دراسية عسكرية إلى باريس، وفي مدرسة سان سير العسكرية وبعد أن أمضى فيها المدة الزمنية المطلوبة ثم تخرج منها برتبة نقيب قبطان شارك في الحرب العالمية الأولى، وقد أثبت فيها كفاءة عسكرية حسنة، وأبدى فيها شجاعة خارقة للعادة مما جعله محل تقدير وإعجاب من السلطات الفرنسية، ولما انتهت الحرب الكونية سنة 1918 حاول أن يذكر سلطات الاحتلال بالوعد الذي قطعه ويلسون ثم كليمانسو تجاه الشعوب الإفريقية المحتلة من أنه بعد أن تنتهي الحرب الكونية بنجاح الحلفاء سوف تنظر فرنسا في حياة هذه الشعوب بمنحها نوعاً من الحرية لكن هذه السلطات صمت آذانها تجاه مطالبه، مما جعله يشكل حزباً سياسياً أطلق عليه اسم كتلة المنتخبين المسلحين أو الحزب الاشتراكي أو حركة الإخوة الجزائريين، ثم أدرج في مطالبه السياسية النقاط التالية: إلغاء جميع القوانين الاستثنائية التي لا زال الأهالي يرزحون تحتها. التمثيل البرلماني للأهالي الجزائريين المسلمين قد يكون مناصفة مع المستوطنين الفرنسيين على قدم المساواة، كما لم يترك برنامج الأمير خالد أن يسجل مجموعة من المطالب العامة مثل المشاركة في الشؤون العامة كالوظائف والتعليم والعمل، وقام بتبليغ هذا البرنامج بنفسه إلى رئيس الجمهورية الفرنسية، عندما جاء في زيارة إلى الجزائر سنة 1920. وبعد أن تعرفت قوات الاحتلال على المقصد الحقيقي للأمير خالد، وتبين لها أنه سوف يكون خطراً على وجودها، حيث أنه قد أحرجها فعلاً، وذلك عندما أنشأ، جريدة بالعربية والفرنسية أطلق عليها جريدة الأقدام وتولّت هذه الجريدة الإشهار بمطالب حزبه أمام الملأ، وبعدها قرر الاستعمار توقيف نشاطه وإلقاء القبض عليه ونفيه إلى الإسكندرية، غير أن الفعل الاستعماري لم يمر دون رد فعل سريع من الطبقة المخلصة من أبناء الوطن، إذ سارعت مجموعة من العمال في فرنسا بإحداث تشكيلة سياسية جديدة سنة 1926 أطلق عليها اسم (نجم شمال إفريقيا) ليصبح المناضل الراحل لحول الحسين فيما بعد أحد أقطابها وقد ترأس هذه الجمعية في المرحلة الأولى الحاج علي عبد القادر ومصالي الحاج كاتباً عاماً لها وبعضوية كل من محمد جفال وأحمد بغول وعلى عميش وأرزقي كحال ورابح موساوي والأمير خالد كرئيس شرفي لها، وفي 1927 تولى أحمد مصالي الحاج قيادة هذا الحزب، وقد أدرج في برنامجه السياسي خمسة عشر مطلباً. وما يهمّنا من هذه المطالب المدرجة في برنامجه خمسة ومنها على التوالي: 1 ـ الاستقلال الكامل للجزائر. 2 ـ إجلاء الجيش الفرنسي من الجزائر. 3 ـ إنشاء جيش جزائري وطني. 4 ـ إنشاء مدارس باللغة العربية. 5 ـ إحلال مجلس وطني جزائري منتخب بطريقة التصويت العام السري المباشر. إن إدراج هذه المطالب في برنامج (النجم) وجعلها من الأمور الحيوية الثابتة التي لا يمكن التخلي عنها أو التنازل عن أية نقطة فيها جعلت القوات الاحتلالية تتفق كلها على محاربته وعدم ترك الحرية لأعضائه أن يعملوا في الساحة الوطنية على ترويج هذه النقاط بين صفوف المواطنين لذلك ضاعفت من مضايقته واضطهاد مؤسسيه وعلى رأسهم مصالي الحاج نفسه وبالتالي الإقدام في سنة 1933 على حله وقد مر معنا أن الطالب لحول الحسين كان منذ مراحل طفولته متعلقاً بنشاط هذا الحزب وبعد أن توقف عن الدراسة عند مستوى شهادة البكالوريا ولظروف عائلية بحتة تنقل إلى الجزائر في نفس السنة التي حلت فيها السلطات الاحتلالية حزب نجم شمال إفريقيا، وعندما استقر في الجزائر العاصمة وجد الطريق مفتوحاً أمامه لمواصلة نشاطه في الحزب بصيغته الجديدة حزب نجم شمال إفريقيا المجيد. ففي هذه المرحلة من نشاط الحزب كان لحول ومعه مجموعة المذكورين من المناضلين. وقد سجل الحزب تحت العنوان الجديد في برنامجه السياسي مطالبه الأولى، ولكنه في هذه المرحلة قسمها إلى قمسين: مطالب مستعجلة ومطالب مؤجلة 1) مطالب مستعجلة هي: * إلغاء القانون الخاص بالأهالي. * العفو العام عن المساجين السياسيين. * حرية حركة التنقل إلى فرنسا وخارجها. * حرية الصحافة بالإجماع. * إلغاء المجالس المالية وتعويضها ببرلمان جزائري ينتخب انتخاباً عاماً من السكان بلا تمييز في الدين أو الجنس. * إلغاء نظام الحكم العسكري وتعويضه ببلديات منتخبة انتخاباً عاماً من السكان بلا تمييز. * المساواة في التوظيف بلا تمييز بين السكان. * تطبيق التعليم الإلزامي وإفساح للطلاب المسلمين بالدخول في جميع المدارس. * جعل اللغة العربية لغة رسمية. * المساواة في الرتب العسكرية مع النص على احترام تعاليم القرآن العظيم في منع المسلم محاربة أخيه لغير المسلم. 2) مطالب مؤجلة هي: * إقامة جمعية سياسية تأسيسه تنتخب على أساس الاقتراع المباشر العام. * حق الانتخابات لكل المواطنين بلا تمييز ولا تفريق. * تسليم جميع المرافق الاقتصادية والممتلكات للدولة الجزائرية بما فيها المصارف والمناجم والسكك الحديدية والموانئ. * استرجاع الأملاك الكبيرة وإعادتها للفلاحين. * احترام الملكية الصغيرة والمتوسطة. * الاستقلال التام للجزائر. * سحب جميع القوانين الفرنسية وتعويضها بقوانين جزائرية. * تأسيس حكومة وطنية جزائرية وجيش وطني. ثم يختتم البرنامج بما يلي: هذا برنامجنا السياسي لنجم شمال إفريقيا المجيد وقد تم بحثه بكل فهم، وحلل تحليلاً عميقاً بواسطة اللجنة الإدارية المؤقتة، ثم قدم وقرئ وصودق عليه من طرف أعضاء جمعيتنا الذين حضروا الاجتماع العام، حيث عقد بتاريخ 28 افريل 1953 على الساعة الرابعة مساء، 49 شارع بريطانيا باريس، فعلى هذا الأساس يعلن نجم شمال أفريقيا أنه قد اختار الصعب في الحياة السياسية الجادة التي لا تخشى في الله لومة لائم، وأنه سوف يبقى صامداً كصخرة صلبة لا تخضع لأي تهديد يأتي من الاستعمار الفرنسي أو أي وعيد، وقد تعاهد على تطويره وتدعيم أسسه مجموعة من المناضلين المخلصين ومنهم فقيد الوطن المرحوم لحول الحسين حيث صمم على أن يكون أحد زوايا هذا الحزب وركناً أساسياً من أركانه، وقد كلّفه ذلك الدخول إلى السجن أكثر من مرة ابتداء من سنة 1937 إلى غاية 1946 وهي السنة التي أصدرت فيها سلطات الاحتلال العفو العام عن جميع السياسيين المحكوم عليهم داخل السجون الاستعمار الفرنسي، فعلى الرغم من أن المرحوم لحول الحسين لم يكن من المؤسسيين للنجم في مرحلته الأولى سنة 1927، أصبح بعد تنقله إلى مدينة الجزائر 1933 من أبرز وأخلص المسيرين له ومن أقرب المساعدين لزعيمه أحمد مصالي الحاج ويكفيه شرفاً أنه من المناضلين الذين تعرضوا لمضايقات العدو الاستعماري أكثر من مرة، وبعد أن أطلق سراحه كان في مقدمة القادة الذين حضروا لعقد مؤتمر الحزب لسنة 1947 في بوزريعة ثم في بلكور بالجزائر العاصمة، حيث طرحت فكرة المشاركة للحزب والانتخابات النيابية، فلم يتردد المناضل لحول الحسين في معارضة الرئيس مصالي الحاج بتفضيله عدم المشاركة في الحرب وقد أيد وجهة نظره بمجموعة من المبررات منها أن فرنسا الاحتلالية لا يمكنها أبداً أن تساعد الحزب في الوصول إلى عتبة النجاح ومنها أن المرشح الناجح في الانتخابات معروف لدى سلطات الاحتلال، وكذلك لا يمكن أن نضيع وقتنا في قضية هي محسوم أمرها مسبقاً لصالح مرشح العدو من أعوان الاستعمار من الجزائريين، ولكن زعيم الحزب قد صمم على الدخول في المشاركة في الانتخابات وبما أن الصيغة الديمقراطية كانت هي الراجحة في حسم خلاف المناضلين فقد عرضت القضيّة على المؤتمر بالاقتراع فنال الزعيم الأغلبية، وخضع لحول لصوتها ولم يركب رأسه وتأخذه العزة بالإثم ويقاطع المؤتمر، ولكنه وافق على المشاركة في النضال ورشح للانتخابات النيابية على عمالة وهران ونجح في هذه الانتخابات رغم أنه ليس من ساكني وهران، وهذا دليل على القوة الشعبية التي كان يتمتع بها الحزب بالإضافة إلى إنجاز المؤتمر لعملية الدخول في الانتخابات وخروجه بالاتفاق التام نحو المشاركة فيها، قد قرر المؤتمر تغيير اسم الحزب إلى حركة الانتصار للحريات الديمقراطية كما تقرر أيضاً في هذا المؤتمر إنشاء المنظمة العسكرية الخاصة برئاسة محمد بلوزداد وتفويض لحول الحسين الوحيد بجانب الرئيس للتعرف على مطالبها واحتياجاتها كما تقرر في هذا المؤتمر لأول مرة، في تاريخ هذا الحزب أحداث منصب الأمين العام وإسناده إلى المناضل لحول الحسين، وقد أنشأ رئيس الحزب هذا المنصب خصيصاً للحول الحسين تكريماً على مجهوداته وأعماله النضالية القيمة المفيدة، ولقد وقف لحول الحسين صامداً منذ شبابه في وجه الاحتلال الفرنسي فتجند في سن مبكرة للنضال في صفوف حزب النجم ومنذ ذلك الوقت وهو محل متابعة من سلطات الاحتلال فقد ألقت عليه أكثر من مرة القبض وأدخلته السجن مرات عديدة وكلما ضغطت تلك القوات كان مثل الحديد الفولاذي الذي كلما انصهر ازداد قوة ولقد عرفته معرفة كاملة بعد الاستقلال، وكنا نلتقي أكثر من مرة في الأسبوع، يأتي إلى منزلي برفقة الإخوان عبد الرحمن كيوان وبن يوسف بن خدة ومسعود بوقدوم والأمين الدباغين ولقد كان شديداً في عدم التنازل عن أفكاره. رحمك الله أيها المناضل الفذ وأسكنك فسيح جناته. |