مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 106 السنة السابعة والعشرون - تموز 2007 - جمادى الآخرة 1428
Updated: الاحد, أيار 25, 2008 01:04 م
فهرس العدد
 

التراث الوطني المخطوط ـــ د.عبد القادر شرشار (*)

(*) باحث جزائري.‏

مخطوط القاضي الفقيه محمد بن محمد بن الكيرد العثماني في شرح العقيدة الصغرى لسيدي محمد بن يوسف بن عمر السنوسي‏

1 ـ وضعية التراث الوطني المخطوط:‏

يمثل التراث المخطوط جزءاً من الذاكرة الفردية والجماعية للوطن، وقد لعب دوراً في الحفاظ على الهوية الثقافية، وأسهم بشكل حاسم في توجيه وإرساء قواعد بناء الدولة الجزائرية المعاصرة.‏

وعلى الرغم من أهمية هذا التراث إلا أنه يواجه أوضاعاً صعبة، نتج بعضها عن نقله من أماكنه الأصلية، مما تسبب في إتلاف وضياع بعض المخطوطات النادرة، كما أن توزيعه عبر مراكز متعددة ساعد على بعثرة بعض أجزائه، وقد يصعب تجميعها من جديد نظراً لعوامل كثيرة لا يمكن ذكرها في هذا المجال.‏

كما تتعرض نسبة كبيرة من هذا التراث المخطوط إلى التلف لأسباب طبيعية Processus naturels، يعود بعضها إلى نوعية الورق «papier acide» الذي يتأثر بالحرارة والرطوبة والغبار. وبالإضافة إلى العوامل الطبيعية، هناك كوارث تتسبب في إتلاف هذا التراث، كالفياضانات، والحرائق، والعواصف، والزلازل، والحروب، والصراعات، وتبقى القائمة طويلة.‏

ووعياً بخطورة نتائج هذه الكوارث المدمرة، تدخلت هيئة اليونسكو المسؤولة عن حماية التراث الثقافي العالمي للتصدي لظاهرة التخريب والإتلاف التي يتعرض لها كل يوم التراث الإنساني، ولهذا الغرض شرعت في تطبيق برنامج سنة 1992 أطلق عليه ذاكرة العالم «Memoire du monde»(1).‏

ولم تقم الجهات المعنية بالجزائر ـ في حدود علمنا ـ بإحصاء المكتبات ومجمعات الأرشيف fond darchives التي لحقها إتلاف عام أو جزئي، نتيجة سياسة التدمير للمنشآت الثقافية والدينية والعلمية كالمساجد والتكايا ودور العلم التي انتهجها الاستعمار الفرنسي، أو التي استهدفتها أيدي جائرة أخرى.‏

ونظراً للأهمية التي يكتسيها موضوع التراث المخطوط والمحافظة عليه، يتطلب الأمر التفكير في برنامج مناسب وطموح يهدف إلى المحافظة على ما تبقى من هذه الثروة، عن طريق استغلال تقنيات متطورة في الإحصاء، ومعالجة المخطوط، والتخزين، وكيفيات الاستثمار وترقية البحث في هذا المجال.‏

ويطرح الاهتمام بدراسة التراث الوطني المخطوط كثيراً من الأسئلة التاريخية والمنهجية، يتعلق بعضها بالبحث عن الآليات الحقيقية والواقعية التي حكمت تأليف الكتاب القديم في العالم العربي والإسلامي، ويتصل بعضها الآخر بتصور كيفية التكفل بالكم الهائل من المخطوطات وتصنيفها بحثاً عن خصوصيات التأليف القديم وما يترصع به المخطوط من إشارات تاريخية وفنية، وربما عمرانية فريدة، تعين على معرفة زمنه، والتقنيات المستعملة في كتابته.‏

وينبغي الإشارة في بداية هذه الدراسة إلى ظاهرة خطيرة وهي أن كتابة المخطوط في الغرب الإسلامي لم تلق العناية المطلوبة، مع قدر وحجم المخطوط المنجز في الأقطار المغاربية وما ورثته هذه الجهة من العالم العربي والإسلامي من كتابات علمية وفقهية وأدبية كانت نتاج ما توصلت إليه حضارة الدولة الإسلامية في الأندلس في فتراتها المختلفة، بالإضافة إلى ما خلفته الإمارات والدويلات الإسلامية في المنطقة من تراث علمي وأدبي وديني، لا يزال في حكم المغمور إلى يوم الناس هذا.‏

وإن كنا لا نقلل من جهود بعض الفرق العلمية التي تصدت لدراسة التراث المخطوط خاصة في بعض المراكز الجامعية بالمغرب الشقيق، إلا أن الإحالات المرجعية، والفهرسة الكاملة الموجودة في بعض المكتبات والمراكز العلمية بالأقطار المغاربية، لا تقنع الباحث في هذا المجال، ولا ترضي طموحه(2).‏

2 ـ أهمية دراسة المخطوط في ضوء الدراسات المعاصرة:‏

وإذا كان المخطوط عبارة عن كائن حي، فهو كذلك مرآة للحياة التي عاصرته، بما يحمله من إشارات تاريخية وحضارية، سواء في متنه، أو فيما يذيل عليه من توقيعات، وخواتم، وعبارات وقفية، وظروف النسخ، وغيرها من الإشارات التي تقتضي تحليلاً ودراسة لمادة المخطوط.‏

ولئن وجهت عناية الباحثين العرب إلى متن المخطوط، وتحقيقه بطريقة تقليدية، لا تعتمد الوصف الكامل، والضبط الشامل لمادة المخطوط ومعطياته التركيبية، فإن علم الكوديكلوجيا(3) Codicologie الجديد في صيغته، القديم في وظيفته وأهميته، يعمل على تحليل المخطوط، مع التركيز في البحث عن حفرياته التاريخية التي تعتمد شكل الحروف وترتيبها، وانتشار السطور والأوراق، ودراسة أحجامها وأرقامها، وأوضاعها المختلفة في عصور متباعدة.‏

3 ـ الإشارات التي تحملها المخطوطات والمعطيات الدالة على ذلك:‏

يتطلب البحث عن خصوصية الخط المغربي القديم معاينة مجموعة من الخطوط العربية القديمة، وفحصها من خلال المعطيات، والتقنيات الآتية:‏

1 ـ يضبط تاريخ هذه المخطوطات، ويحدد انطلاقاً من بعض الإشارات الواردة في المخطوط، حسب الأماكن التي وجد فيها.‏

2 ـ البحث عن مقارنة المخطوطات المغاربية بالمخطوطات المشرقية من حيث:‏

ـ ظهورها زمنياً.‏

ـ العلم الذي تتضمنه.‏

ـ الوثائق التاريخية المتصلة بالمخطوط، والتي من شأنها التعريف بصاحب المخطوط..‏

ـ عبارات الوقف.‏

ـ علاقة النسخ بالكتاب.‏

ـ خصوصيات التغليف والتجليد، وغيرها من المعطيات التي حاولنا أن نضبط من خلالها مجموعة من الخصوصيات التي يتميز بها المخطوط المغربي في رسمه وكتابة حروفه التي ترتبط بتاريخ الكتاب، كما يمكن أن تكون لها علاقة بمجالات العمران وغيرها.‏

4 ـ مشروع صيغة نموذجية لفهرسة المخطوطات العربية:‏

سعياً نحو تحقيق بحث مدقق لترقية التراث المخطوط إلى درجة ترضي الماضي وتشرف المستقبل، وإيماناً بأن البحث في هذا الميدان لا يقتصر على قراءة المحتويات المباشرة للمخطوط فقط، بل يسعى إلى أن يشمل أيضاً التقنيات المرتبطة بإخراج وكتابة المخطوط بلوازمه، ومادته المكتوبة، نقترح صيغة مقدمة في شكل بطاقة، تتضمن معطيات يتعلق بعضها بمحتوى المخطوط، ويتصل بعضها الآخر بجوانبه الشكلية التي تدخل ضمن اختصاص علم الكوديكولوجيا.‏

ويجمع هذا المشروع بين الاتجاه المتحمس لفهرسة تفصيلية معمقة، والاتجاه الذي يدعو إلى فهرسة مختصرة، تمنح الباحث أهم البيانات المتصلة بالمخطوط، نعرضها ـ ضمن هذه الدراسة ـ لتمكين المختصين من مناقشتها شكلاً ومضموناً، آملين تطويرها وتقويمها مستقبلاً.‏

5 ـ قراءة في مخطوط للقاضي الفقيه محمد بن الكيرد العثماني:‏

5 ـ 1: بطاقة فنية لفهرس المخطوط(4):‏

موجود في مكتبة ـ زاوية: أسرة فروخي بمدنية مليانة.‏

المجال المعرفي: علم التوحيد.‏

العنوان: طوالع الخبرات وقيلها في حل ألفاظ الصغرى وشرحها.‏

أول المخطوط: بعد البسملة والصلاة على النبي وآله «الحمد لله الذي جعل التوحيد ميزاناً لقلوب العارفين، وسع الكتاب أفكارهم فهم في الرياضة متبخترين، وأشهد أن..»‏

آخره: أتى به المصنف رداً على المعتزلة القائلين يجب النظر في المعرفة المعجزة في كل إلى ثبوت الشرع عقلاً.. وبين أهل السنة والمعتزلة نزاع فلينظر في محله من شرح الكبرى.‏

تاريخ النسخ: ضياع الورقة الأخيرة حال دون معرفة ذلك.‏

اسم الناسخ: غير معروف نظراً لضياع الورقة الأخيرة من المخطوط.‏

الحواشي: قليلة جداً، كتبت بخط مغاير، ومداد مخالف. التمليكات: غير مذكورة.‏

الخط: مغربي. نوع المداد: استخدم اللونين: الأبيض والأحمر.‏

الأسطر: 16 قياس الورقة: 30.5 × 20سم‏

حالة المخطوط: جيدة: متوسطة: / × رديئة:‏

الزخرفة: غير موجودة التجليد: ممزق الأطراف الإطار: / التعليقة:‏

ملاحظات أخرى: ضاعت الأوراق الأخيرة من المخطوط، ولا نعرف عددها، وقد تعذر جراء ذلك معرفة اسم الناسخ، وتاريخ النسخ، ومن الآثار الباقية بعض التصويبات بحبر مخالف.‏

5 ـ 2. مضمون المخطوط:‏

تحدث الفقيه محمد بن الكيرد العثماني في هذا المخطوط عن أهمية تعاضد الأصول والفروع في الشهادة، وأشار إلى أن أفضل العلوم كلها ما طابق فيه دليل المعقول المنقول، وهو العلم المتعلق بتوحيد الله وصفاته، ثم خصص جانباً من مطلع المخطوط للحديث عن أهداف هذا العلم ومواصفاته، وشروطه، وما يحصل للمتعلم منه، المحيط به.‏

كما أشار إلى فيض ما ألف في هذا العلم من المختصرات والمطاولات، ومنها: عقيدة الشيخ الإمام الفقيه الولي العلامة علم الأعلام سيدي محمد بن يوسف بن عمر السنوسي، والذي يرفع نسبة إلى القبيلة المعروفة بالمغرب من قبل أبيه الحسين (بفتح الحاء والسين المهملتين) وهي فرع من الشجرة المباركة المنحدرة من نسب الحسين بن أبي طالب سبط سيدنا ورسولنا محمد (.‏

ويحيل الفقيه محمد الكيرد العثماني على مؤلف الشيخ الملالي في كتابه: المواهب القدسية في المناقب السنوسية، الذي أثبت شرف نسب الأم، كما يذكر له كتباً أخرى تعرضت لسيرة الشيخ سيدي محمد بن يوسف بن عمر السنوسي، وكراماته، ويجعل ذلك توطئة للحديث عن سبب اختياره لشرح العقيدة الصغرى دون سواها من مؤلفات الشيخ، فيقول: «وكنت ممن شارك في قراءتها (العقيدة الصغرى) مشاركة قليلة، فأردت أن أضع عليها تقييداً على ألفاظها ـ كذا ـ، مجموعاً من كتب الأئمة الذين قبلي، لأجري لي بينهم قلما، تفاؤلاً مني أن يضع الله لي معهم في الموقف قدماً..»(5) على أنه ذكر في ذلك ما يدل على شرفها، ولعل ذلك لما احتوت عليه من بليغ البراهين، وبيان المعنى من كلمتي الشهادة وما يدخل في ذلك من عقائد الإيمان، فقد قال الملالي في المواهب: فما يدل على شرفها ما حدثني به مؤلفها عن محمد بن يحيى أنه مات صديق له، وأدرك زمن وضع العقيدة، فرآه في النوم فأخبره بأن ملكي السؤال، أول ما سألاه عن التوحيد، وقالا له ما الذي قرأت من كتب التوحيد، فقال عقيدة فلان وفلان، وسماهم، فقالا له بغضب.. لم تقرأ عقيدة السنوسي، وهلا قرأتها لكفتك عن غيرها..(6)‏

وبعد أن يستلهم الفقيه محمد بن الكريد العثماني العون والصبر من الله العلي القدير بالثبات والنفع، جرياً على عادة المؤلفين في عصره، يصرح أنه اختار لمؤلفه هذا اسماً هو: طوالع الخبرات وقيلها في حل ألفاظ الصغرى وشرحها. ثم يشير إلى المنهج الذي سلكه قائلاً: «وسلكت فيه طريق الرمز والإشارة، طلباً الاختصار في العبارة بما صورته.. لشرح الشيخ المصنف على هذه العقيدة، وغيره من كتبه...»(7).‏

ويؤكد الفقيه محمد بن الكيرد العثماني في مطلع مؤلفه أن الملالي ذكر تآليف كثيرة للشيخ سيدي محمد بن يوسف بن عمر السنوسي، عدها وأحصاها في ست وأربعين كتاباً، سمى كل واحد منها باسمه طالعه فيه. مع ذكر «أنه رأى بخطه كثيراً من كتب العلماء ودواوين القدماء، ومن الرسائل والأجوبة التي تريد (كذا) عليه كثيراً ممن يحسن أن يعد من تآليفه لطولها وكثرة الكلام فيه»(8)‏

ولعل هذه الكثرة من التآليف دفعت فضول الملالي ليسأل شيخه العلامة سيدي محمد بن يوسف السنوسي، قبل وفاته بعامين عن سنه، فذكر له أنه خمس وخمسون سنة، ومع هذا «فقد جمع في هذه المدة اليسيرة من عمره من التصانيف المفيدة، والخصال الحميدة والعلوم اللدنية والأسرار التوحيدية، وغير ذلك ما لا يمكن أن يجمعها من طال عمره، وعظم اجتهاده».‏

وهي إشارة إلى أن كرامة الرجل الذي «اشتغل بطاعة ربه، فسهل عليه كل عسير، وبارك له في عمره، حتى أدرك في زمن يسير وعمر قصير من منن الله تعالى، [ما لا يدخل تحت العبارة]»(9).‏

5 ـ3. منهج القاضي محمد بن الكيرد العثماني في حل ألفاظ الصغرى وشرحها:‏

وبعد أن عرض مؤلف المخطوط المنهج الذي سار عليه، والإشارات المستخدمة في التأليف، شرع في المراد «راقماً للشرح شين، وللنص صاد، عدا المتن فأشرحه ممزوج الأصل والشرح بالحمرة، والمراد ليسهل تناوله على من له أراد»(10).‏

أما منهجه فقد قام على إعطاء كل عالم اعتمده في هذا الشرح رمزاً، وهو عبارة عن حرف أو حرفين وهاك تصوره:‏

ع مهملة ـ للشيخ عبد القادر بن خدة الراشدي.‏

ع مهملة ـ للشيخ يحيى الشاوي نزيل مصر وشهرته أغنت عن التعريف به.‏

ك مهملة ـ للشيخ عيسى السكتاني مفتي مراكش وكان من المحققين.‏

كك مهملة ـ للشيخ الفكيكي بالكاف (كذا) ويذكر أنه بخط العالم المحقق الشيخ محمد بن مزيان ورآه في بعض النسخ مكتوباً بالجيم وفي بعضها بالقاف.‏

ط (مهملة) ـ للشيخ الوجهاني.‏

ز (معجمة) ـ للشيخ أبي الحسن الزيات.‏

غ (معجمة) ـ للشيخ الغناسي.‏

يس ـ للشيخ ياسين في حاشيته.‏

د (مهملة) ـ للشيخ محمد بن مزيان الملياني الذي كان من الحفاظ في المعقول والمنقول حسب رواية الكاتب. ويذكر أن هذا الرجل وافته المنية وهو في طريقه إلى بيت الله الحرام قرب مصر عام ست وعشرين من القرن الثاني عشر. ودفن بضريح الشيخ عبد الكريم بموضع يقال له المويلح.‏

ث (مثلثة) ـ الشيخ عبد الرحمن الثعالبي، نزيل المحمية بالله تعالى، وقد ذكر من مؤلفاته وكتبه:‏

ـ العلوم الفاخرة والجواهر الحسان. وفي كثير من الأحيان كان يصرح بهما دون ذكر صاحبهما (ث)‏

ـ ذكر بعض الأجزاء المتصلة بالجواهر الحسان.‏

ـ روضة الإخوان، ورياض الصالحين.‏

ـ التقاط الدرر والدرر الباقي.‏

ـ شرح ابن الحاجب والجامع الكبير.‏

ـ المختار من الجوامع. وباقي مؤلفات الثعالبي، ومنها: شرح الحاجب الفرعي، والجامع الكبير الملحق به، ومنها إرشاد السالك، وهو أصغرها، ومنها الأربعون حديثاً. ذكر ذلك الملالي في باب عدد أشياخ المصنف، لأن الثعالبي كان منهم، قرأ عليه صحيح البخاري ومسلم وغيرهما من كتب الحديث، وأعطاه إجازة، رآها الملالي، بخط يده المباركة(11).‏

وقد اعتمد الفقيه «محمد بن محمد الكيرد العثماني» في شرحه للصغرى كثيراً على المؤلف الأول للشيخ عبد الرحمن الثعالبي باعتباره مصدراً ثرياً لشرح مقاصد الشريعة، بالإضافة إلى كونه حجة في علم التوحيد(12) ببلاد الجزائر المحمية، وهو من مشايخ محمد بن يوسف وولي نعمته.‏

وتكشف طريقة الشرح والتفسير عن أثر منهاج السكاكي في مفتاح العلوم، وغيره ممن أسسوا لهذا الأسلوب في التفسير، من التابعين ومن تبعهم في التأليف في علوم التوحيد، وقد امتد هذا الأسلوب في مقاربة النصوص الدينية وتأويلها، حيث تجلى في كثير من الدراسات الحداثية، بالإضافة إلى ما يربط هذا الأسلوب بالمناهج الغربية، وما تطرحه هذه المناهج اليوم من قضايا نقدية وبلاغية(13) هي ضمن اهتمامات الدراسات الأكاديمية المعاصرة، التي تركز على دراسة النص عبر حقول معرفية كثيرة كالسيمولوجيا (semiologie)، التي أولت عناية خاصة لمقاربة النص الديني القديم.‏

وتستمد الطريقة التي انتهجها الفقيه القاضي محمد بن العثماني في التأليف أهميتها من:‏

أولاً: آراء وفهم الآخرين ـ من علماء الفقه والأصوليين ـ للعبارة، أو الآية، أو اللفظ داخل سياق معين.‏

ثانياً: تتجلى هذه الطريقة مشفوعة بالآراء المتناقضة، فقد يضطر الشارح إلى الإتيان بالرأي المناقض تعميماً للفائدة، وتوسيعاً للفائدة، وتوسيعاً للشرح والاستقصاء في تعميق الفكرة. ثم ينهي النقاش برأيه الشخصي، إن كانت المسألة تتطلب حسماً(14).‏

ثالثاً: لا يعتمد المؤلف في شرحه للمصنف على العلوم اللغوية من نحو وصرف وبلاغة، تعرضوا للنص نفسه بالشرح والتفسير، بل نراه يمزج بينها مزجاً جميلاً. ومن أمثلة ذلك «ص. الذين شهد بوجوب وجوده ووحدانيته وعظيم جلاله وجوب افتقار الكائنات إليه من الأرض والسماء. ش: الذي لفت له، وشهد فعل ماض معناه حقق، وبوجوب الصفة جار ومجرور متعلق // ويأتي الكلام عليها في المتن، وقوله: وعظيم جلاله من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي جلاله العظيم، قال يس: يقال جل فلان إذا عظم، وجلال الله عظمته، وقال الراغب الجلالة عظم القول، والجلال بغير الهاء هو التناهي في ذلك، وخص بوصف الله.. ولم يستعمل في غيره .1هـ.»(15).‏

رابعاً: ظاهرة إعادة الشرح لنص مشروح: يلاحظ في متن المخطوط أن أكثر من عشرة مؤلفين تصدوا للنص نفسه بالشرح، وهي طريقة يقصد منها عرض الآراء المختلفة لمسألة واحدة، وإحصاء الفروق الدقيقة بينها، وهو أسلوب تعليمي استخدم في الفترة التي سبقت النهضة في البلاد العربية والإسلامية، يكشف عن منهج في التأليف شاع في الفترة التي ظهر فيها هؤلاء العلماء حيث كان يخصص لكل شرح شروح أخرى، ويتلو الشروح تعليقات وتذييلات، وقد رأى بعض المحدثين هنات في هذا الأسلوب من التأليف، إلا أنه منهج درج عليه الأقدمون في نقل العلوم النقلية والعقلية، ولعل من بين أهداف القراءة الحداثية اليوم الوقوف على ما يمكن أن يستخلص من هذه التصانيف حول طرق التعليم والتأليف في تراثنا الوطني قبل الاحتلال الفرنسي.‏

خامساً: يقوم منهج التأليف على عرض المادة المراد إخضاعها للشرح: مفردة، جملة أو أكثر، ثم تفكيك هذه المادة إلى عناصرها الأولية (اللفظ)، وشرح كل عنصر على حدة، مع عرض آراء وشروح العلماء الذين ذكرهم في بداية المخطوط، حيث يشير إلى اسم (رمز) العالم، ويذكر عنوان مؤلفه، ثم يأتي بقوله ويعرض أقوال غيره، إما تكريساً للمعنى أو للإشارة إلى معاني مناقضة في حياد مطلق عجيب.‏

وبعد عرض الرأي والرأي المناقض ـ إن وجد ـ بإحالات لطيفة مقنعة، يحصل المؤلف على رأي مستقر، يثبته دون أن نشعر أنه يفرضه أو يسد الأبواب دونه.‏

سادساً: تنتقى الألفاظ المستخدمة في متن المخطوط، فهي غالباً ما تكون شفافة، مناسبة للحقل المعرفي المصرفة فيه، قابلة لاستيعاب معاني كثيرة، وبذلك يبتعد المؤلف عن المصطلحات المحصورة الدلالة، والمشبعة درساً وتمحيصاً، مما ألفه الكتاب في عصره.‏

المصادر:‏

1 ـ التلقي والتأويل، مقاربة نسقية، محمد مفتاح، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء.‏

2 ـ طوالع الخبرات وقيلها في حل ألفاظ صغرى وشرحها، محمد الكيرد العثمانين مخطوط محفوظ بمكتبة أسرة الفوخي بمدينة مليانة ولاية عن الدفلة، الجزائر، غير محقق.‏

3 ـ عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح، أبو حامد أحمد بهاء الدين السبكي، القاهرة، مصر، 1927.‏

4 ـ chapmen. Patricia, Linformatique qu service des instruments de recherché dans les archives.‏

Programme general d information et UNISIT, UNESCO, paris, 1993.‏

(1) chapmen. Patricia, Linformatique qu service des instruments de recherché dans les archives.‏

Programme general d information et UNISIT, UNESCO, paris, 1993.‏

(2) خصصت مجلة دراسات مغربية التي تصدرها كلية الآداب والعلوم الإنسانية أكادير في عددها التاسع لسنة 1999 بحثاً مقتضباً حول دراسة المخطوط، وكيفية ترقيته. انظر: ص. 75 ـ 78.‏

(3) علم الكوديكولوجيا: Codicologie يتركب من المصطلح من كلمتين لاتنيتين، وهما: Codex بمعنى الكتابة، وLogie بمعنى العلم أو علم الكتاب، وينصب اهتمام هذا العلم الجديد في صيغته، والقديم في وظيفته وأهميته على دراسة المخطوطات والاهتمام بما يتعلق بدراستها، وضبط محتوياتها من رسم، وورق، وحبر، وكتابة، وهندسة خط، وأشكال التصنيف والتأليف للمخطوط.‏

(4) هذه الصيغة مقترحة في شكل بطاقة من الدكتور عبد الكريم العوفي من جامعة باتنة، وقد أجرى عليها بوعناني مختار من جامعة وهران تعديلات، استثمرنا شكلها وبعضاً من مضمونها، بعد أن قارناه بفهارس عربية للمخطوطات، وأطلقنا عليه «مشروع صيغة نموذجية لفهرسة المخطوطات العربية».‏

(5) انظر: طوالع الخبرات وقيلها في حل ألفاظ صغرى وشرحها، محمد الكيرد العثماني، مخطوط محفوظ بمكتبة أسرة الفوخي بمدينة مليانة ولاية عين الدفلة، الجزائر، غير محقق.‏

(6) المصدر السابق، الورقة الثلاثون من المخطوط.‏

(7) ينظر: المصدر السابق، (مطلع المخطوط).‏

(8) انظر: طوالع الخبرات وقيلها في حل ألفاظ الصغرى وشرحها، مصدر سابق. الورقة الخامسة.‏

(9) انظر: المصدر السابق. (مطلع المخطوط).‏

(10) طوالع الخبرات وقيلها في حل ألفاظ الصغرى وشرحها.‏

(11) المصدر السابق.‏

(12) عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح، أبو حامد أحمد بهاء الدين السبكي، القاهرة، مصر، 1927، ص 5.‏

(13) التلقي والتأويل، مقاربة نسقية، محمد مفتاح، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1991، ص 16.‏

(14) ومثال ذلك ما ورد في المصنف من شرح لفظ العزيز، ص. العزيز الذي عز في ملكه، عن أن يكون له شريك في تدبير شيء ما، فتعالى وجل عن الشركاء. ش: قال في الجواهر الحسان العزيز الذي يغلب ويتم مراده، وهو اسم من أسمائه تعالى. اه. قال يس أي في الغالب من عز إذا غلب.. ويورد المؤلف عدداً من الشروح على هذا النحو، تبدو في أغلبها متناقضة، لكنه يجد السبيل لجمعها بأسلوب حصيف، قل أن نجد له مثيلاً في الدراسات الحديثة. انظر المخطوط، الورقة العاشرة.‏

(15) انظر ما جاء في المخطوط حول شرح لفظ: الجلال، الورقة العاشرة، وما بعدها.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244