|
||||||
| Updated: الاحد, أيار 25, 2008 01:04 م | ||||||
| فهرس العدد |
|
النقد الأدبي ـــ بقلم: روجيه فايول ـ ت.د.طاهر حجار(1) إن النقد الأدبي هو أدبي بالضرورة بأتم معنى الكلمة. هو أدبي لأن موضوعه دراسة الأدب ولأن كتاباته نفسها تدخل ضمن الأدب. خلط أساسي يحدث بسببه لبس بين الموضوع والوسيلة المدروس بها، وكأن الأدب ينظر إلى نفسه دون أن يصل مع ذلك إلى اكتشاف نفسه، لكنّ الناقد لا يشك إطلاقاً في قدرته، فهو يؤمن بالنظرة التي يلقيها على الأثر الأدبي ويحكم عليه عن بعد ويكشف عن عيوبه أو يعترف فيه بالأشكال الجميلة التي يحللها ويحددها ويجمعها ضمن أنواع وأجناس، أو نجده يجول في الآثار بحثاً عن إشارات تدل على حضور يريد أن يمسك به، أي الكاتب بكل أسراره وغموضه، وقد يكون هذا الحضور مجتمعاً كاملاً في مرحلة من مراحل صيرورته. تلك هي المراحل الممكنة لكل نقد: تذوق الأثر بمقارنته مع نموذج مثالي، أو النظر إلى أشكاله أو الكشف عن محتواه، وقد يطغى واحد من هذه على غيره من عصر لآخر وتبعاً لذلك يتصرف الناقد كحكم أو أستاذ للجماليات أو مدوّن (NOMENCLATEUR) أو عالم نفس أو مؤرخ..... وهكذا لا يتعرض النقد لخطر أن يصبح غير فعال فحسب لأنه هو ذاته أدب، بل قد يتوزع على تقنيات متعددة. ولا يوجد «نقد» على عكس ما يؤكده (البير تيبودي A. THIB?UDET) بل هناك «مجموعة من النقد». وكان النقاد في العصور التي هيمنت فيها قوانين علم الجمال الكلاسيكي يكررون دون كلل أن الأثر الأدبي ملك للجمهور، فالجمهور يستطيع أن يحكم حسب هواه مهما كانت ذرائع الكتاب من عدم فهمه وبلهه. إن الناقد، سواء أكان اسمه هوراس (HORACE) أم بوالو (BOILEAU) يطبق حقوق هذا الجمهور، ويطلق أحكامه باسم التفكير السليم والذوق السليم. إن مهمته تتمثل في أن يقرر ما إذا كان الأثر يستحق فعلاً أن يأخذ مكاناً بين الآثار الجميلة المقترحة لإعجاب القارئ والموجودة من أجل رفاهه أم لا. وتتمثل هذه المهمة أيضاً في ترتيب الأثر بين أشباهه مع الاعتراف له بأنه يتماشى مع قوانين هذا النوع أو ذاك وأنه جدير بهذا النوع؛ فهم نقد كهذا هو الإشادة بالآثار التي تتكون حولها مدارس واتجاهات أدبية. وليس لهذا النقد أي زعم علمي. إنه غالباً ما يبدو كنقد انفعالي يعتمد الجدل والهجاء ولذا استطاع أن يصمد بعد إعادة النظر في علم الجمال الكلاسيكي؛ وعندما لا يكون هناك قانون عالمي يجب احترامه فإن الناقد يستطيع أن يخول لنفسه حق التشريع حسب قانونه الخاص، وحينها لم يعد ذلك الناقد دون شك ممثلاً لذلك الجمهور من «الناس الشرفاء» المتعود على تلقي الآثار الجميلة التي تتماشى مع بعض القواعد إلا أنه يحاول أن يشرك جمهوره في المتعة التي أحسها من هذه القراءة أو تلك. ولكن لا نسرع في القول بأن نقداً كهذا قد انتهى. إن بعض الكتاب يدعون أنهم نقاد ـ وهم معدون كذلك ـ لكنهم يمتنعون عن أهم خطوة في النقد التقليدي: ألا وهي حكم القيمة غير أن بعضهم ـ دون أن يكونوا في المقدمة ودون ضجيج ـ مازالوا مستمرين في النقد حسب مزاجهم وذوقهم أو حسب ديانتهم وموقفهم السياسي. ونجد عناوين عدة تدل على هؤلاء مثل «أيام في القراءة، 1965» «لروجيه نميية» (R.NIMIER) و«لذتي في القراءة، 1967» لبول موران (P.MORAND) أو رونيه اتيامبل (R. E?IMEMBLE) وبعض معلقي الصحف الكبيرة الذين مازالوا يوجدون محلاً للحياة الأدبية (براتراند بوارو دلباش) (B.POIROT. DELPECH)، أندريه ورومسير (A.WURMSER) الخ... وهناك نقاد آخرون لا يهتمون بمراعاة تلك الحمية التي لا تستطيع هضمها كل البطون، وهذا انطلاقاً من المفهوم الذي يعد الأثر الأدبي كشيء استهلاكي يعرض على الجمهور والذي يجب عليهم أن يقولوا إن كان مقبولاً أم لا؛ ومن هنا فهم لا يقررون باسم أدب ماضٍ ومحدد يمكن أن تضاف إليه الآثار المشابهة، بل باسم أدب جديد عليهم صنعه والإسراع به نحو فتوحات جديدة. إن في هذا النقد حماس المغامرة، وهو يعرض نفسه لكل مخاطر الريادة (مكتشفي الجنات المزعومة) بعد أن كان «نقداً بريدياً متقدماً» كما قال سانت بوف (SAINTE BEUVE) في عهد المعارك الرومانسية الكبرى وبعد أن أصبح نقداً لعمالقة الطليعة كما يحدده اليوم جوليان جراك (JULIEN GRACQ). إن فيه حماس المغامرة التي تجعله يتعرض لأوهام المكتشفين الذين يبحثون عن الجنات المفقودة. وكان يجب على هذا النقد أن يحيي أدباء المستقبل بدل أن يتوج آثار الكبار المعترف بهم. وكما ندم سانت ـ بوف لكونه حسب خشونة فارس كفكتور هوجو تفوقاً في العبقرية فإن جوليان جراك يخشى من أن «رادار النقد» لا يفرق بين جزيرة للكنوز وجبل جليدي. إن الناقد يتردد في مواجهة مصادفات النقد التنقيبي الذي يتجاهل كاتب اليوم خدماته عمداً ويفكر هو بنفسه في ظروف فنه وتحديد أهدافه وتعيين سلطاته فلا يمكن للمرء أن يكون روائياً دون أن يبني نظرية للرواية. وحين يصبح الإبداع الأدبي عملية مخبرية فإن التقني البسيط الذي هو الناقد لن يسمح له بالانضمام إلى العلماء الباحثين إلا إذا امتنع عن القيام «بنقد الرمي» وكرس نفسه «لنقد البناء» (ر. بارت. R.BARTHES). وهذا هو المفهوم السائد اليوم فلم يعد النقد يبدو كفن للإحاطة الشاملة بل كعلم للأدب؛ ولم يعد الناقد يكتفى بالتهام الآثار الأدبية وتوجيه القرار إلى هذه الأكلة الشهية بل إنه يخضعهم لدراسة دقيقة وتحريات من كل نوع وذلك لأنه تقوى بالمساعدات التي تقدمها له مختلف علوم الإنسان (التاريخ، علم النفس، التحليل النفسي، علم الاجتماع، اللسانيات، الخ...). وفي الحقيقة فإن هذه الثورة في النقد ليست حديثة، فقد اتضحت ملامحها مع البدايات الأولى لتقدم الفكر التاريخي أثناء القرن الثامن عشر والذي تأكد في النصف الأول من القرن التاسع عشر. ومن وقتها لم يعد الأثر الأدبي يعتبر «شيئاً» طبيعياً ضمن أشياء أخرى، ويختلف عنها فقط ببعض الخصائص الجمالية العالمية المنظورة، بل هو نتيجة لنشاط فكري؛ ولم يعد يعامل كمجموعة من الإشارات موجهة إلى جمهور معين بقصد إغرائه أو إقناعه ـ وذلك بالحفاظ على بعض الاستعمالات ـ بل أصبح عبارة عن مجموعة من الإشارات عبر بها إنسان. وإنه لتغير جذري في النقد إذ لم يبق الاهتمام بالأثر وحده هو السائد من أجل الحكم عليه أو مراحل تسميته أو ترتيبه، بل أصبح الاهتمام منصباً على وصف الانتقال من الكاتب إلى الأثر وعلى اكتشاف الإنسان في الأثر. وهكذا أخذ تحليل ظروف الإبداع الأدبي مكان تلك الأحكام القيمة في النقد الترتيبي (التفريعي). وكان النقاد الجدد، بدل أن يفعل ن. لومارسييه (N. LEMERCIER) أيضاً عام 1817م في كتابه «دراسة تحليلية للأدب» أو س. باتو (C. BATTEUX) في «دراسة عن الآثار الجميلة» فقد وقفوا أنفسهم لرسم الكتاب أنفسهم وقد اقترحوا على قرائهم سيراً ذاتية وصوراً. وقد كان الإنجليز هم الأوائل الذين سلكوا هذا السبيل، فقد ألف صامويل جونسون (S.JOHNSON) «حياة الشعراء الإنجليز الأكثر شهرة، 1781م» كملخص لمؤلفات هؤلاء الشعراء. وبالطبع فإن تقدم الصحافة والوراقة ساعد على نمو هذا النقد، وكذلك فإن تطور الصحافة والطباعة البطيء ساعد بعد عقود على تطور مماثل. إن ظهور جرائد ودوريات جديدة في مرحلة الحوار الرومانسي الكبير سمح للنقاد بأن يعبروا بصراحة بدل أن يلجؤوا إلى مؤلفات ضخمة، فمثلاً نجد سانت ـ بوف وغوستاف بلانش G.PLANCHE في افتتاحيات «مجلة العالمين»، «مجلة باريس» يفتتحان نوعاً من الصورة الأدبية. وبذلك كان النقاد يطبقون النقد كفن محاولين إعادة خلق صورة الكاتب كما تتراءى لهم من خلال أثره وليس من «العادة الأليفة» أو البسمة الموحية والمسام اللا محدودة (سانت ـ بوف في «صورة ديدرو» ضمن الصورة الأدبية، 1832م). إن هذه الرغبة في إعادة خلق الحياة لا تنفي الزعم العلمي، فالعلوم الطبيعية كانت تقترح أنماطاً جديدة للوصف والترتيب بعد أن تبسط بالحوار الذي دار بين كوفيه (CUVIER) وجوفروا سانت ـ هيلا (GEOFFROY SAINT HILAIRE). ولم يعد الاهتمام بتأشير(2) المؤلفات وترتيبها هو السائد بل بمعالجتها كنتاجات خاصة بهذا النوع أو ذاك من الفكر وبجمع الأفكار المتشابهة في أسر معينة وذلك لوضع بناء حقيقي لعلم أخلاقي وعلم إنساني إلا أن تطور العلوم الإنسانية بأتم معنى الكلمة وقبل ذلك علم النفس، أبدى شيئاً فشيئاً شفافية مثل هذا العمل وبين أن ليس من الجيد معاملة الأدب كمجموعة عادية من الوثائق. وأصبح الكتاب أنفسهم طوال القرن ضد هذا الزعم بالتعرف على الكاتب من خلال آثاره. ويلخص مارسيل بروست هذا الاحتجاج حين شرع عام 1907 في كتابه «ضد سانت ـ بوف» وبين بقوة الأمور التي تفرق «الأنا المبدع» عن «الأنا الاجتماعي». لكن بروست نفسه يقترح منهجاً نقدياً يسمح أيضاً باكتشاف الخطوط الخاصة ليس بشخصية الكاتب هذه المرة أو بطبعه أو بفكره بل بخياله المبدع وبعبقريته وذلك في مؤلفات الكاتب الواحد. إن بروست، حين يدعو إلى إيجاد «الوطن الداخلي» لكل فنان من جديد إنما يفتح الطريق أمام تيار حديث من النقد وظيفته البحث عن المحاور الأساسية لمجموعة من الآثار الأدبية لإعادة خلق عناصر شخصية الكاتب والكشف عن التعرجات السرية لعملية الإبداع: إنه نقد محوري ووجودي بعد. وهذا النقد يرتكز على التطورات الحديثة لهذا العلم وخاصة على التحليل النفسي لاستعماله في فهم جديد للأثر الأدبي. وليس غريباً أن نجد حينئذ أن الفلاسفة هم الذين أسهموا بكثرة في توجيه النقد المعاصر هذه الوجهة. إن جان بول سارتر يطبق على الأدب مبادئ التحليل النفسي الوجودي التي حددها في الفصول الأخيرة من كتابه «الوجود والعدم 1943». فهو يؤكد في جملة تذكرنا بشكل غريب بـ (سانت بوف) أن: «ليس هناك ذوق، أو عادة، أو عمل إنساني إلا وهو موح» فهو إذاً يتعامل مع الآثار على أنها تنبئ بخطة و«باختيار أصيل» يتحدد مبوجبها مجموع الوجود ومجموع الإبداع الأدبي: إبداع بودلير، وجونيه (GENET)، وفلوبير (FLAUBERT)؛ إلا أن غاستون باشلار (G. BACHEKARD) ينطلق من منطلق مختلف في استعماله التحليل النفسي في الخيال الشعري ليس عند فنان معين لكن بصفة عامة في علاقاته بالعالم كله من خلال كل عناصره: النار والماء والهواء والأرض («التحليل النفسي للنار، 1938» و«الماء والأحلام، 1942» و «الهواء والأوهام، 1943» و«الأرض وأحلام الإرادة» و«الأرض وأحلام الراحة 1948») فهو يبحث عن كيفية تكون الخيال والصور التي تتجاوز الواقع وتغنيه. فالصورة الشعرية ليست لا تزويقاً ولا نسخة مكررة يجب أن نلمس فيها تحول العالم البدائي. ومنذ حوالي ثلاثين عاماً تكون نقد مرتكزاً على توجيهات سارتر وباشلار وبجانبهما مارسيل ريمون (MARCEL RAYMOND) «من بودلير إلى السريالية، 1933م» و(ألبير بيغين (A.BEGHIN) «الروح الرومانسية والحلم، 1937م»، هذا النقد الذي لم يسم «حديثاً» إلا مؤخراً. إنه يستكشف الأثر إما للبحث عن القصد الخفي الذي أنتجته «أعمال جورج بلين (G.POULET) حول بودلير وستندال» وإما للوصول إلى المغامرة الروحية التي يوحي بها الأثر ويعطيها في الوقت نفسه (دراسات جورج بوليه (G.POULET) المختلفة) وإما كذلك للبحث فيه عن نظام العلاقات الفورية التي يجريها الكاتب مع العالم (عالم الأحاسيس التي لا تبتعد أبداً عن العالم الخيالي) والتي أراد جان ـ بيار ـ ريشارد (J.P. RICHARD) أن يصفها عند مالارمي (MALLARME) وعند غيره من الشعراء والروائيين المعاصرين، أو أخيراً لاستخدام تعاليم التحليل النفسي في تحريات مستمرة تظهر بنياته المادية والملموسة (أعمال جان ستاروبنسكي (J.STAROBINSKI) حول جان جاك روسو وأعمال جان روسيه (J.ROUSSET) حول «البنيات الأدبية»). لكن شدة «نقد الأعماق» هذه مشكوك في أمرها بسبب تفسيرات بعض الدارسين الأغرار واستعمالاتهم الشكلية. إن شارل مورون (C.MAURON)، بناء على اهتمامه بالاستعمال الجاد لمناهج التحليل النفسي، ينفصل في الوقت نفسه عن الذين يريدون «ربط مجموع الأثر الأدبي» بحادث ببليوغرافي تافه بعض الشيء وعن الذين يريدون استئصال الحياة الخيالية للكاتب من أجل أن يعيدوا ترتيبها بغية فكر واع. «إن مؤسس علم النفس النقدي عقد العزم على أن يحدد في مؤلفاته عن راسين وبودلير ومالارمي ما يسميه «الأسطورة الشخصية» لهؤلاء الشعراء ليلقي الضوء على نصيب اللاوعي في الإبداع الأدبي، وذلك بعد أن يحذف «المجازات المسيطرة». وإذا كان موران يؤكد أن النقد الوجودي والمحوري غير كافيين لمواصلة الاستكشاف بشدة في الاتجاه نفسه فإن آخرين، على عكس ذلك، أرادوا مقاطعة هذا النقد الذي لا يرى الأدب إلا شكلاً إنسانياً. إلا أن هؤلاء النقاد «الجدد» الذين عارضوا تلك الطريقة التي تبدو في أعينهم غير مهتمة بدراسة الإنسان والأثر يتعرضون أيضاً إلى التهمة نفسها. لقد ثاروا ضد منهج لانسون بمغالاة حتى بلغوا بالنقد المسمى «جامعياً» مرحلة النشوة مع العلم أن طريقة لانسون كانت تستعمل بالصعود من الإنسان إلى الأثر كالشيء ومسببه (السيرة، والقراءات، والمصادر، والتأثيرات التي تكون مختلف عوامل هذا السبب). لقد حاولوا تطبيق نقد «تفهمي» أي الإمساك بمقاصد الأثر من الداخل وتبني رؤيته ووصفه بعمق وتتبع حركات الخيال المبدع مقابل النقد التفسيري، وريث طموحات تين الذي كان يزعم أن أسباب الأثر موجودة في العرق والزمن والبيئة. هؤلاء النقاد الجدد «الجديدون» الذين يدينون لهذا النقد الظواهري لارتباطه «بالإنسانية» «فهو في نظرهم لا يهتم كثيراً بالأنماط الأدبية المحض للآثار، وبمعنى آخر فإن هذا النقد يسقط تحت طائلة اللوم الذي وجهه الشاب لانسون إلى سانت ـ بوف لكونه استعمل الآثار من أجل أن ينشئ السير إليهم». وصحيح أيضاً أن هؤلاء العلماء الغرباء الذين موضوع دراستهم هو الأدب ما يزال الصفاء، والحزم العلميان يرهقان ضمائرهم. وقبل ستين عاماً كانت مناهج التاريخ كما حددها (شارل لانغلو «C.LANGLOIS») وشارل ساينبوس (C.EIGNOBOS) تبدو وكأنها باستطاعتها أن تعطي المختصين بالدراسات الأدبية الوسيلة التي كانوا يحلمون بها ليتجنبوا العقائدية والانطباعية معاً؛ فغوستاف لانسون كتب عام (1911م) في تقديمه لمجموعة إميل بوريل (E.BOREL) تحديداً للمنهج في تاريخ الأدب «المنهج في العلوم» وهو يلخص فيما كتب نشاطه كباحث بعبارات كان يظنها علمية بقول: «إن عملياتنا الهامة تهتم بمعرفة النصوص الأدبية ومقارنتها للتفريق بين ما هو فردي وما هو جماعي وبين ما هو أصيل وما هو تقليدي، ولجمعها ضمن أنواع ومدارس وحركات». أما اليوم فإن علماً إنسانياً آخر يحتل الصدارة: هو اللسانيات، ومن وحي هذا العلم يحاول علماء جدد خلق نقد مقدم على أنه الأكثر حزماً والأكثر «صفاء». وحين كان لانسون يرى أن مهمته كمؤرخ بعيدة عن الناقد وأن يحضر نقداً أفضل، فإن أتباع «علم الأدب»الحديث يظنون بكل تأكيد أن ميدان تحرياتهم يغطي كل أنواع النقد الممكنة وأن كل ما تبقى ليس إلا أدباً. إن النقد الشكلي اهتم جدياً بكلمة مالارمي «الشعر ليس مكتوباً بالأفكار بل بالكلمات» وإنه لأمر غريب أن يبدو سلوك كهذا جديداً بفرنسا في الستينات بينما فتحت آراء عدة شعراء الطريق أمام مثل هذه الاتجاهات منذ ما يقرب من قرن من الزمن. ولكي نعود إلى مالارمي، كان لابد أن تكتشف أعمال الشكلانيين الروس الذين ارتبطوا بدراسة التعبير الشعري وبنية الخبر في القصة أو الرواية أو القصة القصيرة، وذلك بغية تحديد خصوصية الفن الأدبي. ولم تترجم أعمال فكتور ب. شكلوفسكي (VIKTOR.B.CHKLOVSKI) وفلاديمير بروب (V.PROPP) وبوريس م. إيخنباوم (B.M.ELKHENBAUM) ويوري تينيانوف (YOURI TINIANOV) التي كتبت في العشرينات ولم تقدم إلى الجمهور الفرنسي إلا عام 1966م وكذلك النقد الأنجلو ـ ساكسوني سبق النقد الفرنسي بالتركيز على الملامح الخاصة للتعبير الأدبي إذ أن ممثلي «النقد الجديد» الأمريكي كلينت بروكس وآلن تيت (A. TATE) وروبير بان وارن (R.P.WARREN) وجون كراد رانسوم (J.C.RAMSONM) يستعملون منذ الثلاثينات نقداً يريدون له أن يكون شكلياً أكثر منه تفسيرياً، ومهتماً بتحديد البنيات «التعبيرية» للموضوع الشعري، وهم يدينون مذهب التفيهق النفساني والسيرة والبحث عن قصد الإبداع. أما في ألمانيا أخيراً فإن بعض علماء الرواية حاولوا مبكراً تطبيق المفاهيم اللسانية على دراسة الأدب. وهكذا فإن ليو سبيتزر (L.SPOTZER) اتجه نحو ترجمة بنيوية للآثار الأدبية بعد أن حدد منهجاً للأسلوب تحت تأثير فرويد (فمن ملاحظة حلم للأسلوب يستنتج «سيرة للروح»). إن الأسلوب كالمساحة التي إذا لوحظت كما ينبغي فإنها تجعلك تكتشف في العمق سبباً رئيسياً أو طريقة للنظر إلى العالم ليس من الضرورة أن تكون لا واعية أو شخصية. ولم تترجم بعض الدراسات إلى الفرنسية إلا عام 1970 تحت عنوان «دراسات أسلوبية» وقد سمح تطور المدرسة الشكلية الفرنسية أخيراً بانفتاح النقد الفرنسي الذي تميز بالقومية. إن تطور بارت (VARTHES) شبيه بسبيترز الذي بدأ بالاهتمام «بالأسلوب» الذي حدده كلغة تعيدك إلى «الأسطورة الشخصية والسرية» للكاتب. وتدخل محاولاته عن ميشلي (1945م) وراسين (1962م) ضمن النقد الوجودي إلا أنه سرعان ما طبق على تحليل اللغة الأدبية مناهج اللسانيات البنيوية كما بينها فرديناند دي سوسير (F.DE.SAUSSURE) في بداية القرن إذ يجب اعتبار اللغة الأدبية بموجبها كمجموعة من البنيات ذات علامات. إن دراسة كهذه ليست سوى جزء من علم أوسع يكون موضوعه دراسة الدلالات (السميولوجية أو علم الدلالات). وفي هذا الاتجاه تكوّن نقداً يعتبر نفسه «صافياً» يحاول من خلال الأثر أن يربط بين الكتابة والقراءة وليس بين المؤلف والقارئ. إن حبل الصرة الذي يربط بين الأثر ومؤلفه قد قطع ليصبح نظاماً رمزياً مستقلاً تماماً. لقد حرر الأثر من ضغوط «القصد» وصرنا نجد فيه «الزلزال الأسطوري للحواس (بارت)». ولم يعد الأدب ينظر إليه على أنه تعبير عن واقع أدبي بل كنظام خاص للغة معينة: إنه «غاية العلاقات والمخاطبات» التي تحدث عنها فاليري (VALERY) وليس تلك المخاطبات البودليري التي يبحث أتباع النقد المحوري عن صداها في أعماق وجود الكاتب. وهكذا تقترح على الجمهور الذي يحضر جيداً قراءة جديدة للآثار بعبارات مبهمة غالباً: إنها قراءة ترفض كل مودة بين وعي ووعي وكأنها حاجز أمام إجراء علمي حقيقي؛ وفي هذه الحال فإن وجهة نظر الناقد لا تلتحق فقط بوجهة نظر اللساني بل كذلك بوجهة نظر عالم الأجناس. إن أثر بودلير مثلاً يمكن الاقتراب منه بالطريقة نفسها التي يمكن أن تقترب بها من تنظيم مجتمع بدائي، وهكذا فإن جهود عالم اللسانيات جاكوبسون وعالم الأجناس ليفي ـ ستروس تضافرت لتقترح تحليل ديوان «القطط، 1962». وبالطريقة نفسها فإن نقاداً جدداً مختلفين مثل رولان بارت وكلود برومون (BREMOND) وجيرار جينيت (G.GENETTE) ونيكولا رويت (N.RUWET) يعاملون الأدب على أنه ليس إلا لغة، «أي نظاماً من الإشارات». و«شخص اللغة ليس في رسالتها ولكن في نظامها». (بارت). إن محاولات تشكيل الآثار الأدبية هذه مازالت مستمرة على مستوى أعلى من التجريد فمن دراسة الأساليب المستعملة في أثر خاص ننطلق إلى تحليل كل الأساليب الممكنة في اللغة الأدبية وتركيبها. وهذا فإن النقد يتجدد ويتغير أيضاً باكتشاف البلاغة والشاعرية من جديد ومن إعادة طبع كتاب «دراسة عن الصور 1828» لبيار فونتانيه (P.FONTANIER) كمثال نموذجي عن طموحات البلاغة التقليدية. ونجد كذلك عند أرسطو تحديدات ومفاهيم صالحة تجعلنا نفهم الأشكال الأدبية المختلفة بطريقة أحسن، إن الأدب كله أخضع إلى تلاعب بالأساليب، ومن ثم فإن «تزفتان تودروف ـ TZBETAN TODOROV» يريد أن يستخرج من الأدب تطبيق قواعد الأنواع الخالية من كل هدف وهذا يسمح بالتعرف على «عالميي الكتابة» واكتشافهم «فلا ندرس الأثر ولكن إمكانات المقولة الأدبية بالقوة لا بالفعل» (تودوروف). إن علم الأدب هذا سيكون له في تاريخ النقد الأدبي المعاصر خاصة قيمة الإنذار المخلص: لقد نظرنا مدة طويلة إلى الأدب ـ كما لاحظ جيرار جنيت ـ على أنه رسالة دون نظام إلى درجة أوجبت أنه من الضروري أن ننظر إليه ولو لحظة على أنه نظام دون رسالة. «لكن هل من الممكن أن نعامل الأدب هكذا فقط؟ إن احتجاجات قوية تتضح ضد أخطار التعسف في عمل كهذا، وبالفعل فإن الجمع المنهجي لأدوات التعبير وترتيبها لا يكفي لتحديد «الأدبية» ولا الوصول إلى خصوصية الأدب الذي جرد بمبالغة من كل أعراض الطابع الأيديولوجي والنفسي والتاريخي والاجتماعي. (إن الآليات التي حللها جاكوبسون تحت المجهر ليست وحدها إلا شكلاً أجوف كالصدف دون بحر خاصة إذا أبعدت عن القصد الشعري الذي هو علاقة خاصة للغة بالعالم وفي الوقت نفسه للغة باللغة (هنري مسكونيك ـ H.MESCHONNIC) «من أجل الشاعرية 1970»). إن النقد الشكلي حين يركز على دراسة النصوص والعوامل الأدبية لبعض الآثار فإنما يمثل محاولة هامة لإخراج النقد من الدائرة التي وجد نفسه محجوزاً فيها منذ سانت ـ بوف، وهي دائرة ضيقة يدور فيها باستمرار ثلاث شخصيات: المؤلف الذي يجب أن «يكتشف» والقارئ والناقد الذي يفترض فيه أن يكون أكثر سلاحاً من القارئ العادي الذي يدعي تعليمه القراءة. لكن أليس هناك سبيل آخر؟. وفي الواقع، فالمطلوب هو الخروج من هذه الدائرة التي لا نجد فيها إلا الأفراد، لا لتخصيص العقلانية المجردة للأشكال الأدبية بل لمحاولة تحسس الآثار الأدبية كظاهرة تسجل في التاريخ الجمعي، أي التاريخ الاجتماعي، وليس كعمل فردي إبداعي ترفيهي. إن النقد، مهما كان مرهقاً منذ أكثر من قرن بمناهج التاريخ الأدبي، قد ظل بعيداً عن التاريخ بمعنى الكلمة ولم يهتم أبداً بالبحث عن المكانة التي يحتلها إنتاج الآثار الأدبية أو استهلاكاً في حياة المجتمعات. وبقي أيضاً أن ندرس الأثر الأدبي من خلال العلاقات المعقدة التي تربطه بمجتمع معين إذ أن ذلك المجتمع هو الذي يسمح بظهوره في ظروف معينة ثم يقبله عبر التاريخ في ميدان الأدب أو يرفضه بدل أن ندرسه من خلال خلقه انطلاقاً من مشروع الكاتب الواعي أو اللاواعي، وليس كذلك في طرقه أو في نظامه الشكلي الذي يكونه. وهكذا يفتح المجال أمام دراسة مزدوجة: دراسة الظروف التاريخية لإنتاج الآثار ودراسة الظروف التاريخية للتعرف على الآثار على أنها آثار أدبية. ما يزال هذا النقد الاجتماعي جنينياً، وكل شيء يتم وكأننا نخشى منذ فترة طويلة أن نستخدم من جديد شكل التأويلات الذي اقترحه تين والذي يتسرع كل الناس في الحكم عليه بأنه سطحي ومتجاوز، باعتبار الأثر نتاج وسط معين وانعكاساً مباشراً لواقع اجتماعي. إن التحليل الماركسي لتاريخ المجتمعات والعلاقات الجدلية بين البنيات التحتية والفوقية قد ساعد على تصحيح الشكلية المثالية والموضوعية لمنهج تين. إن الفيلسوف المجري لوكاتش قد حدد ضرورة الفهم التاريخي للأثر الأدبي طبق مفهوم «رؤية العالم» وبالخصوص في دراستيه عن «الرواية التاريخية 37/1936م» «وبلزاك والواقعية الفرنسية 1936 و 1952م». وقد تأثر به لوسيان غولدمان في دراساته ليكتشف عند باسكال وراسين «الرؤية المأساوية»نفسها للعالم (الإله الخفي، 1956) وهو تعبير يدل على الخيبة التاريخية لطبقة اجتماعية حولت إلى رسم عام ولا زمني للإنسان. لكن الخطر كبير في أن نضحي بالملامح الأدبية الخاصة لمرحلة معينة أو بالأنماط الشكلية المطلقة التي تؤثر في اختيار هذا النوع أو ذاك وفي استعماله هذا الأسلوب أو ذاك، كل ذلك بحثاً عن توفيق هذا النوع بين وضع طبقة اجتماعية ما وبين المحاور الهامة لبعض الآثار الكبيرة وبقي أن يعمل الكثير على هذا النحو، فروبير اسكاربيت (R.ESCARPIT) وجماعته يقومون بتحريات متأنية وجادة ضمن معهد الآداب والتقنيات الفنية الجماعية (بفرنسا) وكذلك الذين يستوحون أعمال لويس آلتوسييه (L.ALTHUSSIER) للتفكير في إيجاد الظروف الملائمة لتحليل ماركسي للظواهر الأدبية. لكن شكلاً جديداً من النقد الاجتماعي يقع تدخله بين علم اجتماع الإبداع وعلم اجتماع القراءة. وفعلاً فإن هذا النقد يهتم بإدخال مكاسب نقد النصوص المقواة باللسانيات، ولم يعد يسأل عن «الوضع الاجتماعي للنص» بل عن «وضع ما اجتماعي في النص». وهو يدعو بالمناسبة نفسها أيضاً إلى قراءة جديدة للرواية وتأويل أكثر دقة وأكثر جدلية للعلاقات الموجودة بين العالم الروائي والواقع الاجتماعي. ومن المسموح أن نحلم «بنقد شامل» يتوصل إلى تفهم أحسن للأدب مستعملاً مختلف المناهج المعروفة اليوم. لكن علينا ألا ننسى أنه يجب ألاّ نغالي في قدرات النقد وألاّ ننسى الأخطار الناجمة عن اختيار ما يبدو مناسباً الأمر الذي يجعلنا نتجاهل الأبعاد الأيديولوجية والمذهبية الخاصة بكل منهج. إن لكل مدرسة نقدية فكرة معينة عن الأدب، وهكذا تتعايش بصعوبة عدة آداب «واقعية وممكنة». لكن هذا لا ينفي أن النقد أصبح بحق من أهم الأشكال في النشاط الأدبي المعاصر، ويمكن أن نرى في هذا علامة على تحول في الأدب نفسه، هذا الأدب الذي يتوخى المراجعة باستمرار ويتساءل عن دوره وعن كيفية وجوده في مكانه بين الأنشطة الإنسانية الأخرى. (1) رئيس جامعة الجزائر العاصمة ومترجم كتاب: الأدب والأنواع الأدبية. (2) وضع إشارة. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |