|
||||||
| Updated: الاحد, أيار 25, 2008 01:04 م | ||||||
| فهرس العدد |
|
ثنائية اللفظ والمعنى وأثرها في توجيه الدلالة ـــ إبراهيم بلقاسم(*) اللّـفظ والمـعنى اللّغة وعاء الفكر على حدّ تعبير هيجل, ولاريب في أنّ اللّغة وثيقة الصّلة بالمنطق ([1])إذ تفاعل المعقولات المنطقيّة يصل إلى مركّب هو «الفكر», ولا يمكن أن يتمّ هذا في غياب اللّغة أو بدونها. فحصول الفكر يستحيل بغير اللّغة الّتي تحمل المعنى, وتقوم مقام اللّحمة لهذا السّلك من المعقولات المتفاعلة, وهو ما جعل ماكس مولر يقول بأنّ اللّغة والفكر وجهان لعملة واحدة([2]) أي أنّ الفكر يتمّ مع اللّغة وبها. والسّؤال الّذي يفرض نفسه بإلحاح هو: «بأيّة صفة تؤسّس اللّغة علاقتها مع الفكر في صورته البسيطة والمركّبة ؟ هل هي مجرّد عرض لجوهر هو المعنى, أم هي قسيمته ووجهه الثّاني على حدّ تعبير ماكس موللر.؟ لقد كان مبعث الإشكاليّة محور بحث في الفلسفة الأرسطيّة, إذ دفعت جدليّات السّوفسطائيّين وألاعيبهم اللّفظيّة أرسطو إلى التّساؤل عن ماهيّة الألفاظ ودلالاتها, وكان الحلّ الأوليّ في نظره أن يرفض الانطلاق من اللّغة. إنّما يجب أن ينطلق البحث في الأشياء من ذاتها لامن أسمائها. وهي قناعة سقراط وأفلاطون قبله. ويكفي كمؤشّر على صحّة الشّيء وحقيقته المطابقة بين النّفس وبين ما تعتقده. حيث يحصل سكون النّفس. غير أنّ هذا لم يقض على الحيرة ولم يحلّ الإشكال لأنّ الحوار الّذي أعدم في الخارج انتقل إلى النّفس, فمن الافتراض إلى النّتيجة توجد جدليّة لا تستغني عن الكلام. ثمّ ما جدوى هذه الحقائق الّتي تسكن لها النّفس إن لم يعبّر عنها؟ فالمعلوم أنّ الأشياء لا تبدو للوجود بذواتها» » Les choses n’ ([3]) apparaissent pas par elles memes » فالكلمة ضرورة تفرض نفسها. وهكذا ينتقل الإشكال من خارج الكلام إلى داخله ليطرح سؤالاً وجيهاً مفاده كيفيّة التّوفيق بين الكلمات المعدودة المتناهية والمعاني المبسوطة اللامتناهية. ولا مناص لتسويغ هذا اللاتكافؤ إلا بمظهر لغويّ واحد هو أنّ يدلّ اللّفظ على عدّة معانٍ (مدلولات)([4]). وهذا غير معقول نتيجة أنّ اللّفظة تدلّ على مجموعة من الأشياء هي في الحقيقة لا تدلّ على شيء. وما معنى أن تدلّ لفظة على معنى ما مع احتمالها لمدلولات عدّة ؟. فالدّلالة اختصاص المدلول بدالّ يصير أمارة عليه. و هناك فرق بين نوعين من الدّال . أحدهما لفظة تدلّ على أشياء كثيرة تعدّدت كمّا , وتوحّدت حقيقة . وهو ما يعرف في العربيّة بـ(الجنس), فكلمة الحصان تنطبق على كلّ الأحصنة رغم تعدّدها, أمّا الثّاني فدلالة اللّفظة على متعدّد مختلف جنسا مثل كلمة (الكلب) الّتي تعني الحيوان النّابح, وتعني (الكوكب السّماويّ). فالدّالّ الأوّل يدلّ على الشّيء, أمّا الثّاني فيقال: له دلالات([5]) وهكذا نرى كيف أنّ البحث بدأ فلسفيّا, وانتهى لغويّا, وهما معا يسلمان إلى البحث في(فلسفة اللّغة). اللّفظ والمعنى عند المعتزلة: إذا كنّا نسلّم بأن المعتزلة أهل كلام استعانوا بالمنطق والفلسفة اليونانيّة, فهذا يعني وجود تلاق حول أهمّيّة الجزء المتّفق عليه من اللّغة وهو المعنى. فالمعنى هو الّذي يحدّد هويّة اللّفظ عند المناطقة خلاف النّحويّين .إذ ما دلّ عل معنى واحد فهو لفظ جزئيّ أو مفرد سواء تركّب من كلمة أو أكثر. أمّا النّحاة فيعتدّون بالمبنى والإعراب. فكلمة (عبد الله), ( الأمّة العربيّة), ( مدينة بيروت) ليست عندهم ألفاظا مفردة , وإنّما هي مركّبة([6]) فطبيعة البحث العقليّ المجرّد هي الّتي قادتهم إلى تقديم المعنى على اللّفظ. ويكفي للدّلالة على تلك الأهمّيّة حديث الجاحظ عن الفهم والإفهام والبيان والتّبيين الّذي جعله عنوان كتابه. وجميعها ممّا يتّصل بالمعنى. وعلى العموم فإنّ تقديم المعنى على اللّفظ جاء وفق ثلاثة اعتبارات هي: المعنى أسبق : إنّ نظريّة الدّليل تختصر اللّغة والنّصوص (القرآن والسّنّة) والإجماع وجميع أدوات الاستدلال, فتؤول بها إلى المعنى كما يتصوّره العقل أوّلا.فاللّغة ليست دليلا.إنّما هي مظهر للدّليل.يقول صاحب الأصول الخمسة: ـ «فوضح بهذه الجملة أنّه ـ يرحمه الله تعالى ـ لم يورد هذه الآية على وجه الاستدلال والاحتجاج. وإنّما أوردها على أنّ أدلّة الكتاب موافقة لأدلّة العقل ومقرّرة له»([7]). وهذا تسويغ من الشّارح للهيئة الّتي ساق بها القاضي آيات يثبت بها أنّ الله ليس خالقا لأفعال عباده.وعند مناقشة القاضي لنظريّة الكسب يحتجّ عليهم كثيرا بأنّها غير معقولة إذ لو كانت معقولة لصادفت اللّغة التي تعبّر عنها وتفصح عن دلالتها.فالشّيء يعقل أوّلا ثمّ يحدّ. ولو عقل أهل اللّغة(الكسب) لوضعوا لفظا خاصّا به, فلمّا لم يضعوا دلّ على أنّهم لم يعقلوه([8]). بل يذهب إلى وجوب أن يكون معقولا في نفسه لكي يعقله النّاس المخالفون لهم.([9]) وهذا يوافق تماما فكرة الاتّساق الّتي يقول بها المناطقة وتعني اتّفاق الفكر مع ذاته واتّفاقه مع الأشياء. المعنى أوسع: لاشكّ أنّ المعاني كثيرة ولامتناهية. منها الماديّ ومنها المعنويّ,والشّاهد والغائب والنّظريّ والتّطبيقيّ (العمليّ).وهذا في مقابل ألفاظ محدودة متناهيّة.يقول الجاحظ:«ثمّ اعلم ـ حفظك الله ـ أنّ حكم المعاني خلاف حكم الألفاظ لأنّ المعاني مبسوطة إلى غير غاية وممتدّة إلى غير نهاية, وأسماء المعاني مقصورة معدودة ومحصّلة محدودة»([10]). وهذه النّظرة تتّسق إلى حدّ بعيد ومظاهر اتّساع المعنى وامتداده.ومحدوديّة اللّفظ وضيقه كثيرة يشهد لها جميعا القصور اللّغويّ.و لندع الجاحظ يذكر لنا بعض صوره والسّبيل إلى معالجته. تسمية الشّيء باسم ما يقوم مقامه و يسمّيه البعض(العجز النّوعيّ)([11]) لأنّ العقل لا يتمكّن من إدراك المدلولات الغيبيّة إدراكا دقيقا وافيا, فيستعير الإنسان من أسماء عالم الشّهادة ما يصحّ أن يقوم مقامه. يمثّل الجاحظ لذلك بقوله تعالى: ﴿هذا نزلهم يوم الدّين﴾ والعذاب لا يكون نزلا, ولكن لمّا قام العذاب لهم مقام النّعيم سمّي باسمه.و يستشهد لاستعمال العرب هذا الأسلوب بقول الشّاعر:
فالتّمر لا يكون كهرة ولا زبرا, ولكنّه على ذا. وقال عزّ وجلّ: «ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيّا» وليس في الجنّة بكرة ولا عشيّة, ولكن على مقدار البكر والعشيّات, وعلى هذا قول الله عزّ وجلّ:«وقال الّذين في النّار لخزنة جهنّم». والخزنة: الحفظة.وجهنّم لايضيع منها شيء فيحفظ, ولايختار دخولها إنسان فيمنع. ولكن لمّا قامت الملائكة مقام الحافظ الخازن سمّيت به([12]). المعنى أدقّ: (المطابقة) إنّ التعبير الأمين للاسم عن المسمّى قد لايدوم ولا يثبت طويلا.إذ يكفي مع تطوّر الزّمن أن تطرح المعاني الأسماء المفارقة لها كما تطرح بعض الحيوانات جلدتها الميّتة, وتتخلّى عنها. ومثال ذلك قول الجاحظ : «وإنّما سمّي شوّال شوّالا لأنّ النّوق شالت بأذنابها فيه, فإن قال قائل: قد يتّفق أن يكون شوّال في وقت لا تشول النّاقة بذنبها فيه, فلم بقي هذا الاسم عليه وقد ينتقل ماله لزم عنه؟ قيل له: إنّما جعل هذا الاسم له سمة حيث اتّفق أن شالت بأذنابها, فبقي عليه كالسّمة, وكذلك رمضان. إنّما سمّي لرعيهم الرّبيع فيه, وإن كان قد يتّفق هذا الاسم في وقت الحرّ والبرد»([13]). إنّ هذه النّماذج تنمّ عن عمق التّفكير اللّغويّ للجاحظ. فانتصاره للمعنى لم يكن محض اتّفاق أومشايعة نفسيّة, ولكن تسنده فلسفة كلاميّة ولغويّة قويّة. ولا يحول ذلك دون الشّعور بنوع من اللّبس أو الخلط في الفهم ـ على أقلّ تقدير ـ إذ استشهاده بقيام الكهرة والزّبر مقام التّمر لبيان قيام الملائكة مقام الخزنة مثلا لا يصحّ قبوله عقلا لأنّ الأوّل أدخل في باب التّصوير الفنّيّ, والتّوكيد فيه على المشاعر والمعاني النّفسيّة أكثر من التّعبير عن المعاني العقليّة. وتلك ذاتيّة الأدب كفنّ. فالشّاعر لا يعني أكثر من إحساسه بمرارة النّهر والكلوح في وجهه الّتي كان يرجو بدلها طيب التّمر. كما أنّ مفهوم السّمة في الاسم وعدم أمانته في متابعة المعنى مع مرور الزّمن فيه شيء من التّناقض أو الغموض. فاسم شوّال لم يكن سمة على معناه«الشهر» إلا في الزّمن الّذي شالت فيه النّوق بأذنابها. أمّا ما عداه فقام الاسم مقام الرّمز لا السّمة. وهي مسألة اصطلاحية ينبغي التّدقيق فيها. واعتقد أنّ الجاحظ يتخلّص ذهنيّا من معناها العرفيّ(وسم الإبل), ولو أنّ المصطلح لا يخلو من شبه بأصل الوضع والتّطوّر. علما بأنّ بعض الموضوع اللغويّ ممّا لا يقنع العقل ولا يثبت مع طول الزّمن ونموّ العقل البشريّ ونضجه. وبالمثل: إلى أيّ حدّ يصحّ أن يكون ذلك الوضع حجّة مع إيماني بوجوب وجود ثوابت لضمان تواصل الأشياء. 2 ـ تسمية الشّيء بما ليس به تحت عنوان (ما يسمّى شيطانا وليس به) يذكر الجاحظ جملة من الدّلالات المجازيّة كالحميّة والأنفة في قول عمر رضي الله عنه: «لأنزعنّ شيطانه من نخرته» وكمعنى الغضب فقد قال أبو وجيه العكليّ : وكان ذلك حين ركبني شيطاني. قيل له: أيّ الشّياطين تعني؟ ـ قال:الغضب .و العرب تسمّي كلّ حيّة شيطانا لتعمّجها.أنشد الأصمعيّ:
وكذلك دلالته على القبح ودلالته على الفطنة وشدّة العارضة في قولهم:«ما هو إلا شيطان الحماطة», ويقولون: »ما هو إلا شيطان» و(الشّيطان) اسم إنسان. وفي بني سعد بنو شيطان.([15]) فيتجلّى من هذه الأمثلة أنّ هذه الدّلالات مجازيّة, لكنّها تطرح ولو بدرجة أخفّ إشكاليّة (دالّ لعدّة دوالّ). وغاية الجاحظ من عرضها في أكثر من موضع تصحيح اعتقاد العامّة إذ أساؤوا السّلوك لعدم تمييزهم بين الحقيقة والمجاز, وعدم تمحيص الخبر والمقام الّذي ورد فيه. وما استهزاؤه منهم لقتل الوزغ, وعقيدتهم أنّها أعانت على إبراهيم عليه السّلام بحمل الحطب والنّفخ في النّار في ذلك إلا مسوِّغ لما نقول. وقد رووا مثل ذلك في الحيّة والمرأة والعقرب والفأرة والغراب والكلب العقور. وأنتم تعلمون أنّ تسمية الغراب«الفسق» والفأرة «الفويسيقة» ليس من شكل تسمية الفاسق ولا من شكل تسمية إبليس([16]). فالعرب تقول:« ما فجّرها إلا فاجر ولم يجعلوا ذلك اسماً له لا يفارقه». من مظاهر تقديم المعنى على اللفظ: إنّ المظاهر الّتي أقصد عرضها إعتزاليّة في روحها خلافا للصّور السّابقة الّتي قد يقول بها أيّ باحث لغويّ يعتمد المنهج العقليّ. ومعلوم أنّها تعني: المقابلة بين المعاني(المعقولات) وبين لغة القرآن بشكل خاصّ وتتجلّى هذه المظاهر بالتّرتيب تصاعديّا كما يلي: السّمع يسند العقل ويعضده: العقل مناط التّكليف والباعث على النّظر. فصدارته في التّرتيب تقضي بأن يؤول الكلّ إليه قرآنا وحديثا وإجماعا وقياسا على تفاوت بين المعتزلة في تبنّي الدّليل اعتدالا وتطرّفا. لعلّ أروع النّماذج الّتي قامت مقام الدّليل ودليل الدّليل تأويل الأصمّ لقوله تعالى على لسان نبيّه موسى عليه السّلام:«قال ربّي أرني أنظر إليك» فيقول: «المقصود من هذا السّؤال أن يذكر من الدّلائل السّمعيّة ما يدلّ على امتناع رؤيته تعالى حتّى يتأكّد الدّليل العقليّ بالدّليل السّمعيّ, وتعاضد الدّلائل أمر مطلوب للعقلاء.»([17]) فهو يفيد من الآية فائدتين. إحداهما تنصر مذهبه في نفي رؤية الله يوم القيامة, والثّانية مصادقة على منهج المعتزلة في تقديمهم العقل على النّقل, وقبول الثّاني سندا للأوّل. وبالمثل يرى الزّمخشريّ أنّ قول الله تعالى: « أفمن كان على بيّنة من ربّه» أي: على برهان من الله وبيان أنّ دين الإسلام حقّ «ويتلوه»: ويتبع ذلك البرهان «شاهد» أي: شاهد يشهد لصحّته وهو القرآن«منه»:من الله أوشاهد من القرآن([18]). وكذلك يذهب المرتضى إلى أنّ موسى عليه السّلام سأل الرّؤية لقومه لا لنفسه معضّدا الآية السّالفة بقوله تعالى:«يسألك أهل الكتاب... فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا, أرنا الله جهرة, فأخذتهم الصّاعقة بظلمهم» فذكر الجهر في الرّؤية على البصر وهو لايليق بالله عزّ وجلّ.([19]) العقل ينوب عن السّمع: يقف النّص من العقل موقف المثير والباعث, فلا ينتظر منه أن يذكر الحقائق مفصّلة تفصيلا. فقوله تعالى:«خلق لكم ما في الأرض جميعا» ظاهره أنّ ما في الأرض مباح لنا التّصرّف في جميعها. لكنّ العقل له كلمته في ما لم تنطق به العبارة. إنّه تعالى خلق ما في الأرض في الجملة للعباد لكي ينتفعوا به في الظّاهر, وهو في الجملة لا يخالف ما ثبت بالدّليل. فأمّا من جهة التّفصيل فلابدّ من شرط. ولا فرق بين أن يكون منطوقا به, أو معروفا بالعقل. وهو أنّ لنا أن نتصرّف فيه ما لم يؤدّ إلى مضرّة على وجه.([20]) و الجاحظ يشير إلى المعنى في إحدى رسائله إذ يقول:«وقد يفرّ الأعرابيّ في الحرب، فلا يقرّ بالجبن على الأعداء وبالنّكول عن الأكفاء, بل يخرج لذالك الفرار معنى ويجعل له مذهبا, ثمّ لا يرضى حتّى يجعل ذلك شعرا, ويشهّره في الآفاق, ويمثّل لذلك بقول مالك بن أبي كعب في الفرار:
و عبد القاهر الجرجانيّ من الّذين التفتوا إلى أثر اللّفظة في إشاعة الطّلاوة في الكلام, كما أنّ سوء استعمالها يحرم المعنى الفنّيّ جماله وبريقه.» ومن سرّ هذا الباب أنّك ترى اللّفظة المستعارة قد استعيرت في عدّة مواضع, ثمّ ترى لها في بعض ذلك ملاحة لا تجدها الباقي. مثال ذلك أنّك تنظر إلى لفظة(الجسر) في قول أبي تمام:
و قوله:
فترى لها في الثّاني ما لا تراه في الأوّل, ثمّ تنظر لها في قول ربيعة الرّقيّ
فترى لها لطفا وخلابة وحسنا ليس الفضل فيه بقليل([22]) وبالجملة نخلص إلى أن اللّفظ في الأدب تركيب كامل, وهو في مجال العلم كلمة مفردة والخلط بين المفهومين مثار لبس كبير, وخلط للموضوعيّ بالذّاتيّ, وللعلميّ بالفنّيّ. ونظرة المعتزلة إلى صلة اللّفظ بالمعنى تختلف من التّنظير لعلم الكلام إلى التّنظير للأدب, فحيث يبتغى الحقّ والصّواب يركز على المعنى ويكتسي اللّفظ دلالة حرفيّة, في حين يصبح المعنى في الأدب أمرا لا يكتسي أحقيّته ومشروعيّته في الوجود إلا من الجماليّة الّتي يضفيها عليه اللّفظ, وإلا فكيف يفسّر هذا التلوّن للمعاني الفنّيّة من مقام إلى مقام حتّى أنّها تتناقض وتتنافى أحيانا.
ولعلّ التّسمية الّتي تطابقها بأمانة هي (الدّلالة الفنّيّة) لأنّها دلالة تبدو في صورة هي«أبهى وأزين وآنق وأحقّ أن تستولي على هوى النّفس, وتنال الحظّ الأوفر من ميل القلوب.»([24]) وفي تقديري الخاصّ ما زال الأدب لم يجد له مكانا معتدلا متوسّطا بين الطّرفين, فإمّا هي جماليّة فنّيّة ليس تحتها طائل من المعنى الّذي يسكن له العقل, ويتبنّاه كفكرة, وإمّا هو نظم لفظيّ ذاهب الحرارة والحيويّة لالتزامه بالمعقوليّة مضمونا وشكلا. ويبقى المعنى الموضوعيّ في الأسلوب الجميل الشّائق مركبا وعرا وظهرا صعبا على الأدباء الّذين يرون الجمع بينهما جمعا بين الماء والنّار. والأدهى من ذلك أن يراه أحد أبرز مفكري العرب في العصر الحديث مستحيلا, إذ يقرر بأنّ الصلة بين الشّعر والحقّ والخير مبتوتة لا سبيل إلى مدّها ووصلها لأنّهما يتنافيان طبيعة وجوهرا, فدنيا الشّعر ترحّب بأبي نوّاس ترحيبها بزهير([25]), فلا فرق في الفنّ بين تصوير الفضيلة وتصوير الرّذيلة. ومع احترامي لهذا المفكّر الفيلسوف لا أجد لمعانيه مساغاً ومقنعاً لأنّها غير مؤسّسة في نظري. ويبقى أن نستبين موقفه من أمرين. أحدهما وظيفة الأدب عامّة والشّعر خاصّة إن لم يكن له مع قيم الخير والحقّ قربى. ثمّ ماذا يعني أن تكون له صلة بالجمال خارج نطاق الحقّ والخير. وأرى أنّه تعسف, ووجه نظريّة الفارابيّ حسبما يتّفق ووجهة نظره, إذ ليس في صريح عبارة الفارابيّ ذلك المفهوم. بهذا بان أن مسألة اللفظ والمعنى عوملت من قبل المعتزلة تبعا للمقام, فتناولها في علم الكلام غير دراستها في النحو, وهما غير النظرة التي حظيا بها في أحضان الأدب, ولكن الأكيد أن العقل ظل القيم الحارس المتابع لجميع هذه بوطأة تختلف شدة ولينا. البعد الصوتي والبعد الصرفي يميل عبد الواحد وافي إلى نظرية محاكاة أصوات الطبيعة, ويراها أكثر معقولية من غيرها لتماشيها مع الارتقاء([26]) وقبله قال ابن جنِّي: «وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل([27]) وقد جاءت في خصائصه أبواب مستقلة بهذا الغرض مثل: (الاشتقاق الأكبر, إمساس الألفاظ أشباه المعاني، تلاقي المعاني على اختلاف الأصول والمباني), ولم تكن ظاهرة عابرة إنما هي مطردة. الأمر الذي كان له أثر في تردد ابن جني بين التوقيف والمواضعة في أصل اللغة. وليس من النافع تبني موقف وصفي من هذه الوجهات كالذي قيل عن هذه النظرية من «أنها تقف بالفكر الإنساني عند حدود حظائر الحيوانات.»([28]) فهذه لا تعدو أن تكون منافحة أدبية وصفية. لأن أصحاب نظرية المحاكاة لم يقولوا بأن المحاكاة هي المرحلة النهائية في نشأة اللغة ونموها. فكيف يصح أن يقال: إنها تقف بالفكر الإنساني...؟ وبعيدا هذا الجدل ما موقفهم من اطراد هذه الظاهرة ؟و أعتقد (جازماً) أن وراء هذا الرفض فرارا من القول بالتوقيف. وهذا شأن المواقف المبيتة التي توجه الدراسة بل وتحول دونها. وإلا فلا مانع من أن تكون هذه مرحلة متقدمة من مراحل نمو اللغة والفكر المرتقي من الحسي إلى المجرد, ومن التعميم إلى التخصيص. ويهمنا الآن عرض بعض المظاهر باقتضاب لأني سأفصل القول فيها عند الحديث عن مستويات الدلالة. صلة الحركة بالمعنى إن إبدال حركة حرف كاف لإحداث تغيير في المعنى لا يقلب جوهره, ولكن يحدث فرقا بين اللفظين في ماله صلة بالمعنى. المستويان: الصوتي والصرفي في البدء تحسن الإشارة إلى أن المستويين يجمعهما نسب قريب واتصال شديد من حيث أن كليهما يهدف إحداث التغيير على بنية الكلمة حسبما تحتمله من وجوه.([29]) ومن هنا ارتأيت الجمع بينهما محاولا التدرج من المستوى الصوتي إلى المستوى الصرفي, ولو أن فكاكهما واستقلال أحدهما عن الآخر مما يتعسر, إذ النظر في أصل المادة اللفظية وزيادتها وتقبلها أمر صرفي لكن ذلك ملابس دائما للصورة السمعية (الصوت). ورغم أنني أحاول أن أكشف عن جهود رجال الاعتزال دون تمييز إلا أنني أجد نفسي مضطرا للتوقف طويلا عند عمل ابن جني في هذا المجال, إذ ما جاء عند غيره يعد مجرد لمحات لا تتعدى الوصفية في أغلب الأحوال, ويعترف له بعض الباحثين «بأنه حاز على شرف السبق إلى مثل هذا التحليل متقدما بذلك جميع علماء اللغة المحدثين»([30]) (1) المستوى الصوتي: والمقصود به ما ينجم من تغيرات دلالية تابعة للتغيرات الطارئة على الصوت «phoneme». سواء تعلق ذلك بالفونيم القطعي segmental أو بالفوقطعي suprasegmental ويخص الأول الصوامت والصوائت, أما الثاني فيتعلق بالنبر والأنغام والفواصل.([31]) ـ الفونيم القطعي: أـ إبدال الصوائت: أن تغاير الحركات على الصامت يفضي إلى التغاير في دلالة اللفظ نسبيا, أي من جهة النوعية, فكلمة الذل« بضم الذال» يوصف بها الإنسان أما الذل «بكسر الذال» فوصف للدابة لأن ذل الإنسان أشد وطأة من حيث أنه لا يشاؤه, ولا يرضاه, فاختاروا له الضم لأنه أقوى, واختاروا الحركة الأخف حيث الذل أخف وقعا.([32]) وإذا كان هذا التعليل نفسيا, فإن الزمخشري يقترح تفسيراً آخر مفاده أن اختلاف الحركتين على المحل الواحد قد يرد للتفريق بين جنسين. مثال ذلك قوله «القبطية ثياب بيض من كتان تنسج بمصر نسبت إلى القبط(بالضم) فرقا بين الثياب والأناسي. والجمع القباطي»([33]) ويقدم ابن جني في باب الإدغام الأصغر تعليلا صوتيا محضا لتبادل الصوائت, ومن ذلك تقريب الصوت من الصوت مع حروف الحلق نحو: شعير وبعير ورغيف([34]), وعلة هذا الإبدال هي الاستثقال الناجم عن الانتقال من الفتح إلى الكسر مع فخامة الحروف الحلقية, فجر ما قبلها يؤدي إلى الخفة. ب ـ دلالة الصوامت: ينفرد ابن جني بقوله إن في الصامت الذي هو جزء من اللفظ شبه بجزء من المدلول ذاته, ويميل هذا الاعتقاد ذروة ما بلغه ابن جني في إثبات الشبه بين الصوامت والأحداث. فهو يرى مثلا أن كلمة «بحث» تدل بكل جزء منها على جزء من الحدث, فالباء لغلظها تشبه بصوتها خفقة الكف على الأرض, والحاء لصحلها تشبه مخالب الأسد وبراثن الذئب إذا غارت في الأرض والثاء للنفث والبث للتراب([35]), ومثال آخر شد الحبل, فالشين بما فيها من التفشي تشبه بالصوت أول انجذاب الحبل قبل استحكام العقد, ثم يليه إحكام الشد والجذب وتأريب العقد, فيعبر عنه بالدال التي هي أقوى من الشين, لاسيما وهي مدغمة, فهو أقوى لصنعتها,و أدل على المعنى الذي أريد بها([36]). و يلي هذه الرتبة قوله بأن تقارب كلمتين في حرف أو حرفين أو ثلاثة يعني تقارب الدلالة أينما كان موقع ذلك الحرف التقارب فيه أولا أو وسطا أو آخر. * التقارب في حرف واحد: ـ أز ـ هـز(ء.ه) تقارب في الفاء ـ جرف ـ جلم(ر.ل) تقارب في العين, ومعناه: الميل. ـ علم ـ علب(1)(م.ب) تقارب في اللام ومعناه: الشق * مقاربة حرفين لحرفين([37]): ـ سحل ـ صهل ـ (س,ص)(ح,ه) الفاء والعين:صوت ـ جلف ـ جرم ـ (ل, ر)(ف, م) العين واللام: القشر والقطع ـ صال ـ سار ـ (ص,س)(ل,ر) الفاء واللام
* مقاربة ثلاثة أحرف لثلاثة([38]) ـ سلب ـ صرف (س,ص)(لـ,ر)(ب,ف) ـ غدر ـ ختل (غ.خ)(د.ت)(ر.ل) ـ زأر ـ سعل (ز.س)(ء.ع)(ر.ل) عند هذا الحد يتوقف المستوى الصوتي في شكله البسيط لنراه شكلاً مركباً وأكثر تعقيدا ونعني به «الاشتقاق» وقبل أن نفصل القول في الاشتقاق الأكبر نشير إلى اشتقاق من نوع خاص يصدق على حروف تجمعها خصائص صوتية مشتركة إذ يكفي اجتماع حرفين منها لتؤدي دلالة واحدة بجميع تقلبات الكلمة المكونة من هذين الحرفين المتشابهين بالإضافة إلى حرف آخر خارج المجموعة, فازدحام الدال والتاء والطاء والراء واللام والنون إذا مازجتهن الفاء على التقديم والتأخير فأكثر أحوالها ومجموع معانيها أنها للوهن والضعف ونحوهما.([39]) وبعملية حسابية بسيطة نحصل على 90(تسعين) كلمة لها معنى الضعف والوهن. هذا بغض النظر عن تقلباتها الصرفية وإلحاقها بحرف الزيادة. والعملية كما يلي: ر × ر = 3 × 5 × 6 = 90 كلمة وقد قدم ابن جني من جملتها أربعاً وعشرين لفظا على وجه التمثيل منها: الدالف: للشيخ الضعيف, والطنف: لما أشرف خارجا عن البناء وهو إلى الضعف, والدنف: المريض والطرف: لأنه ليس فيه قوة الوسط, ولذلك قال الله تعالى: ﴿أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها﴾ وقال الطائي الكبير:
و منه الفرد: لأن المنفرد عرضة للهلاك, ومنها الفرات: الماء العذب لأنه ينال منه, و يمال عليه قال الشاعر:
و كذلك الفتور: أي الضعف, والرفت:الكسر.......الخ.([40]) وفكرة تشابه الدلالات لتشابه الحروف, ومشابه الصامت للحدث يتعرض لها الزمخشري في فائقه بشكل بارز, لكن يكتفي بالوصف دون تحليل. فالعشنق والعشنط أخوان بمعنى:الطويل ([41])و كذلك تلعثم تلعذم([42])، وحذا وحثا, والقاحة والباحة والساحة أخوات([43]), ومثلها البرى والثرى([44]). أما الجاحظ فيشير إلى أثر الشبه بين الصامت والحدث حين يرى أن الحن هو ضعفة الجن فهذا مؤداه ـ وإن لم يحلله ـ أن ضعف الحاء في مقابل الجيم هو الذي سوغ هذا الفهم([45]). ج) الاشتقاق الأكبر والدلالة المركزية: يعود الفضل في استقراء هذا الاشتقاق وتسميته بـ«الأكبر» إلى ابن جني الذي يصرح بذلك مع اعترافه لشيخه أبي علي بالاستعانة به, والإخلاد إليه يقول: «أنما كان يعتاده عند الضرورة ويستروح إليه, ويتعلل به. وإنما هذا التقليب لنا نحن»([46]) و حدّه أن تأخذ أصلا من الأصول الثلاثية فتعقد عليه وعلى تقاليبه الستة معنى واحداً تجتمع التراكيب الستة وما يتصرف من كل واحد منها عليه.([47]) و مثال ذلك الأصل(ج ب ر) فهو يدل بجميع تقليباته على القوة والشدة ومنه جبر العظم إذا قويته والجبر الملك لقوته وتقويته لغيره, وكذلك المجر: لمن جرسته الأمور ونجذته, ومنه الجراب لحفظه ما يوضع فيه, والحفظ سبب القوة. و منه الأبجر والبجرة وهي القوي السرة, وعليه قوله صلى الله عليه وسلم: «إلى الله أشكو عجري وبجري» أي همومي وأحزاني, والعجرة كل عقدة في الجسد, فإذا كانت في البطن والسرة فهي البجرة, ومنه البرج لقوته في نفسه وما يليه, وكذلك البرج: لنقاء بياض العين وصفاء سوادها ومنه الترجيب أي التعظيم ولذلك سمي الشهر«رجب» لتعظيمهم إياه عن القتال فيه وما يسند النخلة ويقيمها يسمى«الرجبة», والراجبة أحد فصوص الأصابع لأنها مقوية لها ومنها الرباجي وهو الرجل يفخر بأكثر مما يفعل. قال الشاعر: وتلقاه رباجيّا فخورا ([48]) ويختم صاحب الخصائص هذا الباب بتحفظ صريح العبارة يقول فيه:«و اعلم أنا لا ندعي أن هذا مستمر في جميع اللغة »كما لا داعي للاشتقاق الأصغر أنه في جميع اللغة.([49]) ومع هذا نجد إبراهيم أنيس يذهب إلى ما يوهم الإطلاق, حيث يرى هؤلاء الاشتقاقيين (ابن فارس وابن جني وأضرا بهم) تأثروا بالعمل الخليلي في العين مع أن تقسيمات الخليل كانت صورية فقط, ويعقب على كل ذلك بإنكاره لوجود الصلة الطبيعية بين اللفظ والمعنى محتجا بأن الكلمات لا تعدو أن تكون رموزا شأنها شأن الرموز غير الصوتية الأخرى كالإشارات, إضافة إلى أن جهاز النطق يضطلع بالنطق كعمل ثانوي, أما عمله الأصلي فهو البلع والمضغ والتنفس.([50]) وهذه في نظري اعتراضات غير مقنعة, فإشارات المرور مثلا وضعت بعد تصور موضوعي ربط فيه الدال والمدلول, ولا يعقل أن توضع بعفوية ساذجة مغفلة لأن مثل هذا الموضع يعني تعدد الفهوم لهذه الإشارات, إذ ليس أحدها أولى من غيره من حيث أنّها جميعا خالية من الصلة الموضوعية. فاللون الأحمر لا يصلح أن يكون رمزا للنماء والخصب مثل ما هو الحال مع اللون الأخضر, وهذه الدلالة منتزعة من تجارب الحياة, فخضرة النبات تعني حياته وقابليته للنمو, أما الحمرة فدلالة الخطر لما فيها من صفة الدم والنار المنذرة بالخراب والفناء . والواضح أن مسألة نشأة اللغة هي التيار الذي بلغ تأثيره إلى حد إنكار هذه المسائل, إذ التسليم بها يعادل, أو يحث على القول بتوقيفية اللغة, وهو ما يأباه الكاتب ولا يسلم به. ولم يكن ابن جني المعتزلي الوحيد الذي أشار إلى هذه المحورية الدلالية, فالزمخشري يرى أن الحمد والمدح أخوان, كما يقول بأن نثد وثدن ودثن بمعنى واحد هو الركود والثبات يقال: نثدت الكمأة ونثطت إذا نبتت والثبات من باب واحد, وثدن الرجل إذا كثر لحمه, فهو ثادن أي قليل الحركة, دثن الطائر في الشجرة إذا عشش فيها وأقام.([51]) والزمخشري يذهب إلى أبعد من ذلك عند حديثه عن الفعل «خنز» الوارد في الخبز:«لولا بنو إسرائيل ما خنز الطعم وأنتن اللحم كانوا يرفعون طعام يومهم لغدهم», يقول:«خنز قلب خزن إذا أروح وتغير, وهو من الخزن بمعنى الادخار ولأنه سبب تغيره, ألا ترى في قول طرفة:
ويحتمل أن يكونا أصلين, ومنه الخنزوانة, وهي الكبر لأنها تغير عن السمت الصالح».([52]) ومثل هذا إن أطرد كان من أعجب أسرار العربية ونظامها البديع, كان مدعاة إلى إعادة النظر في قضايا نظرية لغوية هامة مثل نشأة اللغة وعلاقة اللفظ بالمعنى. ولا يقبل ابن جني أن تكون هذه الظاهرة عارضة عابرة, إنما يجعلها في اللغة عامة ومتفشية سارية من غير قول بالاتفاق أو الصدفة لأن الحكمة الإلهية هي التي اقتضت. ذلك, وإذا نحن عجزنا عن تطبيقها فعليا فإما لعجزنا وجهلنا للغة, وإما لأن بعض اللغة لم يصل إلينا, ويتكئ على قول سيبويه:«لأن الأول وصل إليه علم لم يصل إلى الآخر» و يدعم هذه القناعة بالاستدلال بتسمية العرب للأشياء بأصواتها مثل : الخازبار وهو الذباب «لصوته» والبط والخاقباق (صوت الفرج) والواق للصرد لصوته وغاق للغراب , والشيب صوت مشافر الإبل, والهيقم (صوت اضطراب البحر) كما أن العرب تتنادى بالأصوات فيقولون: حاحيت وعاعيت وهاهيت إذا قلت: حاء وعاء وهاء , وكذا تسميتهم الحوقلة والبسملة والهيللة.([53]) و إن كان ابن جني بحكم تمرسه باللغة وجودة اطلاعه عليها ومعرفته بها يجزم يقينا بأن هذا النظام يسري فيها جميعا حتى الجزء الذي لم يصلنا, والجزء الذي وصلنا ولم نحسن التطبيق عليه, فإن تلك قناعته التي رسختها فيه هذه اللغة الساحرة بمرونتها وطواعيتها واتساقها, وتلك أيضا منهجيته العقلية الصارمة في البحث , لكن الأمر يختلف بالنسبة لغيره لاسيما المحدثين , إذ يرون هذا التقدير مردودا لأن قيمة المز اللغوي (الكلمة) الدلالية عرفية باتفاق اجتماعي متتابع , ولا نستطيع أن ننسب قدرة دالة إلى كل حرف يؤلف هذه الكلمة. ذلك أن العبقرية العربية تجلت في النضج الأبجدي في أوغاريت, إذ غدت الحروف (الأصوات) التسعة والعشرون أدوات مجردة تدخل في تركيبات صرفية كثيرة, ومنذ القرن الثاني استقر هذا النهج اللغوي.([54]) و هكذا يجد الباحث نفسه مجبرا على إعادة النظر في قصة النشأة . والنشأة تمثل فلسفة اللغة لا ريب في ذلك , لكن ما الذي يحول بين أن تكون اللغة وضعية والبنى اللفظية تعكس صوتيا تلك الدلالات العرفية؟ إن الذين يرفضون هذه الاقتراحات التي يدعمها التطبيق باطراد مخطئون من حيث يعتقدون أن الوضع يلابسه الارتجال, وأن القول بوجود نظام دقيق على هدا النحو يسلمهم ـ كارهين ـ إلى القول بتوقيف اللغة حتى كأن الوضع والنظام لا يلتقيان. والعجيب أنهم يسلمون بوجود الاتساق والنظام في كثير من العلوم كالنحو والعروض محتجين بالسليقة وصفائها لدى الأوائل, فما بالهم لا يقولون مثل ذلك ههنا؟.. و الذي استغربه من صاحب الخصائص أن يعقد بابا في تلاقي المعاني على اختلاف الأصول والمباني, ويمثل لذلك بالخلق والخلق ودلالتهما الملازمة, وكذلك ما جاء على وزن فعيلة مثل الطبيعة والنحيتة والغريزة والنقيبة والضريبة والنحيزة والسجية, فهذه البنى على اختلافها, تؤدي دلالة واحدة هي الصفة الملازمة لصاحبها والثابتة([55]). فكيف يوفق ابن جني إذا بين مقالته هذه, وقوله أن المباني لها شبه قريب بالمعنى, بل يذهب إلى أن الصامت الواحد يستقل بالدلالة على جزء من المعنى العام؟ والظاهر أن الجمع بين القولين متعذر, لاسيما وأن ابن جني ألح على أن المشابهة بين المبنى والمعنى مطردة في اللسان العربي كله, وإن كان هناك إمكان للتوفيق فإنه لم يذكر مسوغه, ويبقى هذا تناقضا ينفي مصداقية القولين معا إن لم يقم قول ثالث ينهض كالقيد أو الاستثناء. وأعتقد أن هذا من تسامح ابن جني, إذ يقبل بالترادف استعمالا لوجود التقارب لا التطابق لأن المقصود هو المعنى. إذ المعاني أشرف من الألفاظ, لذلك سامحت العرب نفوسها في العبارة عنها([56]), وإذا جاز أن يكون في أصول هذه اللغة المقررة اختلاف اللفظين والمعنى واحد كان اختلاف المباني غير مؤثر إن تحقق المقصود وهو المعنى([57]), وهذا إن كان شاهدا على واقعية ابن جني في اعترافه بتقارب دلالات المباني على اختلافها فإن المنهج الاعتزالي يفترض فيه الصرامة العقلية والعلمية التي توجب أن لا يكون للفظ الواحد إلا معنى واحد والعكس يصح. فهرس المصادر والمراجع 1 ـ إبراهيم أنيس * دلالة الألفاظ : مكتبة الأنجلومصرية – ط3. 1973 2 ـ ابن جني(أبو الفتح عثمان ابن جني) * الخصائص : تحقيق الأستاذ محمد علي النجار ـ دار الكتاب العلمي ـ القاهرة ـ ط2. 1952 * المحتسب : تحقيق علي النجدي وجماعة المجلس الأعلى للشؤون الدينية. 1386هـ 3 ـ الجاحظ(أبوعثمان عمرو بن بحر) * البيان والتبيين : مكتبة الخانجي – القاهرة – ط3. 1968 * الحيوان : دار الكتاب العربي – بيروت/لبنان .1969 * رسالة البرصان والعرجان : تحقيق د. محمد مرسي الخولي مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر – القاهرة – ط2. 1981 4 ـ زكي نجيب محمود * مع الشعراء : دار الشروق – بيروت/لبنان ـ ط2. 1982 5 ـ الزمخشري(أبوالقاسم جار الله محمود بن عمر) * الفائق في غريب الحديث: تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم وعلي البجاوي دار المعرفة – بيروت/لبنان ـ ط2 6 ـ الشريف المرتضى(علي بن الحسين الموسوي العلوي) * أمالي المرتضى : دارالكتاب العربي – 1967 7 ـ عبد العزيز عتيق * مدخل إلى علم الصرف : دار النهضة العربية للطباعة والنشر ـ 1971 8 ـ عبد القاهر الجرجاني * دلائل الإعجاز في علم المعاني : تحقيق السيد محمد رشيد رضا دار المعرفة – بيروت/لبنان. 1981 9 ـ علي عبد الواحد وافي * نشأة اللغة : مكتبة غريب – مطبعة العالم العربي ـ القاهرة .1971 10 ـ فايز الداية * علم الدلالة العربي : ديوان المطبوعات الجامعية – الجزائر ـ ط1. 1988 11 ـ القاضي عبد الجبار الهمذاني * شرح الأصول الخمسة : موفم للنشر ـ الجزائر.1990 * متشابه القرآن : تحقيق عدنان محمد زرزور ـ دار التراث ـ القاهرة 12 ـ محمد بوعمامة * علم الدلالة بين التراث وعلم اللغة الحديث(رسالة دكتوراه) ـ جامعة قسنطينة .1995 13 ـ محمود أحمد كامل * مفهوم العدل في تفسير المعتزلة للقرآن الكريم دار النهضة العربية للطباعة والنشر – بيروت/لبنان. 1983 14 ـ المهدي فضل الله * مدخل إلى علم المنطق : دار الطليعة – بيروت/لبنان – ط4 .أكتوبر 1990 المراجع الأجنبية 1 ـ Pierre Aubenque, Le problème de l’être chez Aristote – 2edition. P.U.F ـ Paris 2 ـ EL Khuli ( M.A), A dictionary of theoretical linguistics. Librairie du Liban / Beirut – first édition. 1982 |