مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 108 السنة السابعة والعشرون - كانون الأول 2008 - ذو الحجة 1428
Updated: الاحد, حزيران 01, 2008 12:32 م
فهرس العدد
 

معايير صنعة الشعر عند الوحيد البغدادي في تعليقاته على كتاب الفَسْر لابن جني ـــ د.أحمد نتوف(*)

يلقي هذا البحث الضوء على جهود الوحيد البغدادي النقدية التي وردت في خلال تعليقاته على كتاب الفَسْر لابن جني، وتأتي أهمية هذا البحث في أنه يوجه أنظار الباحثين إلى أحد أعلام النقد العربي القديم الذين ظل إنتاجهم النقدي حبيس المكتبات إلى أن صدر في هوامش كتاب الفَسْر لابن جني الذي ظهر محققاً عام 2004 م.

ومن خلال استعرض آرائه وتعليقاته تبيَّن أنه كان حريصاً على أن يورد مصطلح (صنعة الشعر) في أكثر التعليقات، مما دفع الباحث إلى جمع معايير صنعة الشعر عنده وبسطها في هذا المقال مقسمة إلى:

معايير تخص اللفظ.

معايير تخص المعنى.

معايير تخص الصورة الشعرية.

معايير تخص أغراض الشعر.

معايير الشعرية.

معايير تصبُّ فيما يسمى (نقد النقد).

وسيتضح للقارئ أن الوحيد كان ناقداً مطلعاً استطاع أن يكون ندَّاً لابن جني، ناقشه بالحجة والبُرهان، وردَّ كثيراً من آرائه، وأحكامه النقدية.

معايير الصنعة عند الوحيد البغدادي في تعليقاته على كتاب الفَسْر لابن جني

مقدمة:

انتظر دارسو النقد كتاب الفَسْر طويلاً، وهو شرح لابن جني على ديوان المتنبي، إلى أن صدر عن دار الينابيع في دمشق سنة 2004 بتحقيق الدكتور رضا رجب، فسارعت الأيدي إليه، وتناوله الباحثون بشغف، وكان من حَسنات هذه الطبعة أن محققَ الكتابِ نشرَ كلّ شيء وجده في هامش مخطوطتِه، وكان مما نشره تعليقاتٌ لأبي طالبٍ الوحيدِ البغداديِّ على شرحِ ابنِ جنّي للديوان.

ولأن القرن الرابع الهجري الذي عاش فيه الوحيد والمتنبي وابن جنّي يعدّ من أزهى عصور النقد العربي القديم؛ إذ نحا فيه النقد إلى أن يكون معيارياً منهجياً كما هي الحال عند معاصرَيْه الآمدي والقاضي الجرجاني، كانت دراسة آراء الوحيد في كتابه استكمالاً للجهودِ التي يبذلهُا الباحثون لتأصيل النقد العربيِّ القديمِ في عصورِه الأولى.

والذي يلفتُ النظر في تعليقاتِ الوحيدِ النقدية أنها تكادُ تكون معايير لصنعةِ الشعر تتناولُ من خلال التطبيق القضايا الرئيسية التي اهتمّ بها النقد العربي القديم تحت مسمَّى الصنعةِ الشعرية، فهو يتحدّث عن صنعةِ اللفظ والمعنى ومعاييرِ الجودة في تناول الأغراضِ الشعريةِ، ويتطرّق إلى شعريةِ الشعرِ في أكثر من موضع من الكتاب، إضافة إلى حديثه عن الصورة الشعرية.

ويستطيع متتبّع كلامه أن يلحظ مجموعة من المعايير التي تحكم عمل الناقد، وفيما يأتي حديث مفصل عن ذلك يلقي الضوء على هذه التعليقات المهمة.

ترجمة الوحيد:

هو أبو طالب سعد بن علي بن الحسن الأزديّ البغداديّ المعروف بالوحيد([1])، توفي سنة 385هـ، شاعر، عالم باللغة والنحو والقوافي والعروض، عاش في بلاط سابور بن أردشير ( توفي 416 سنة )، وعايش المتنبي ( توفي سنة 354هـ ) في مدة إقامته في مصر، وكان يميل إلى الوزير ابن حنْزابة ( توفي سنة 391هـ )، ولهذا كان مشغولاً بالكشف عن عيوب شعر المتنبي، ومنشغلاً بانتقاد ابن جني الذي كان معجباً بالمتنبي أيّما إعجاب.

للوحيد شرح على ديوان المتنبي، وردت منه نُقولٌ في كتاب (نصرة الثائر على المثل السائر) لصلاح الدين الصفدي، وقد وصل إلينا هذا الشرح على شكل تعليقات كتبت على هامش مخطوطة كتاب الفَسْر التي احتفظت بها مكتبة جامع قونية بتركيا، كما يوجد قسم من شرح الوحيد في مدينة لينينغراد (سان بطرسبورغ) تحت رقم 275 وفي مكتبة الأسكوريال تحت رقم 305.

بدا الوحيد في هذا الكتاب ـ كما يظهر من أقواله ـ ناقداً عالماً محيطاً بكل ما يتعلق بصنعة الشعر، وقد بلغ به الأمر أن ينال من ابن جنّي وينسبه إلى الجهل مرة، وإلى التعصب واتّباع الهوى مرّة أخرى، بل ربما سخر منه سخرية لاذعة في أكثر من موطن من كتابه، حتى إنه وصفه بالعداوة للعربية؛ لأنه يتبع الشواذَّ ولم يترك منها شيئاً في نوادر أبي زيد وأبي مسحل وأبي عمرو الشيباني إلا جاء به وخلطه بالمشهور من اللغة من غير أن ينبّه عليه([2]).

معنى الصنعة في الشعر:

من الغلط الشائع في النقد العربي القديم أن يطابق الباحث بين مصطلحي «التكلف» و «الصنعة»، وإن كان مدلول أحدهما قريباً من مدلول الآخر، وليس كلام المرزوقي: «إن الكلام الذي تلوح على صفحاته آثار التكلّف هو المصنوع»([3]) يعني التطابق بين مدلولي المصطلحين؛ فصنعة زهير بن أبي سلمى قد أصبحت طبعاً، حتى ليُقال: إن زهيراً مصنوع مطبوع في صنعته، وليست مراجعة العمل الأدبي وتنقيحه تدلّ على التكلف، كما أن ارتجال الشعر وقوله بداهة ليس دليلاً على الطبع.

والمراد بالصناعة هنا معرفة الشاعر بالأصول والقواعد التي تجعل الشعر حسناً، فللشعر «صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم كسائر أصناف العلم والصناعات»([4]) وغاية هذه الصناعة تجويده وتحسينه، قال قدامة: «إن للشعر صناعة وإن كان جارياً على سبيل سائر الصناعات مقصوداً فيه وفيما يحاك ويؤلف منه إلى غاية التجويد».

ومصطلح صنعة الشعر الذي يستخدمه الوحيد في أثناء تعليقاته لا يطابق مصطلح الشعر المصنوع أو المتكلَّف أو المطبوع؛ إذ إنه يَقصد من هذا المصطلح القواعد والأعراف التي اتفق عليها النقاد في الشعر حتى تتحقق فيه صفة الشعر أو ما سُمّي حديثاً بالشعرية، وحتى يصحَّ أن نطلق على قائله صفة الشاعر، فهو يضع مجموعة من المعايير التي يرى أنها موضع اتفاق بين النقاد والعلماء بصنعة الشعر.

أولاً ـ معايير صنعة الشعر عند الوحيد البغدادي:

يمكننا تقسيم معايير صنعة الشعر عند الوحيد البغدادي إلى:

معايير تتعلق باللفظ والمعنى..

ومعايير تتعلق بشعرية النص الشعري..

إضافة إلى معايير الصورة الشعرية والنظرة الشاملة للقصيدة..

كما أن بعضها يتصل بالناقد الأدبي، وسنذكرها مفصّلة:

1ـ في اللفظ:

أ ـ في المفردات:

ذكر الوحيد مجموعة من المعايير تتصل بالمفردات التي يستخدمها الشاعر، ويدور أغلبها حول الحفاظ على لغة الأوائل، فهو لا يقبل من المحدثين أن يُدخِلوا في الشعر ما ليس منها، أو أن يأتوا من الضرورات بما لم يأت به الأولون، وهو بهذا لا يتفق مع ما ذهب إليه أبو علي الفارسيّ من السماح للشعراء بالخروج عن سنن الأولين في الضرورات، وذلك عندما سأله ابن جني: «هل يجوز لمحدث أن يأتي في شعره من الضرورة بمثل ما أتى في أشعارهم؟» فقال: نعم!. وعلّل ذلك بأن هذا شعر كما أن ذاك شعر، وكما يجوز أن يؤتى في النَّـثر بما أتوا به فكذلك يجوز في النظم.

ويرى الوحيد في إقدام الشاعر المحدث على استخدام الضرورات ضعفاً في لسانه، وهو يحظُر على الشاعر أن يزيد على ضرورات الأولين، فما قصروه من ممدود فله أن يقصره بعينه، وما حذفوه فله أن يحذفه، وما حرّكوه من ساكنٍ أو سكّنوه من متحرّك كان له اتّباعهم فيه نفسه، ولا يُحْدِثُ هو من عنده شيئاً لم يأتوا به فيكون ذلك سريعاً في فساد اللغة وامّحاء أثرها، وكذلك له أن يتكلّم مما تكلموا به من العجمي وخلطوه بكلامهم، وليس له إدخال غيره في العربية، ورأى في ذلك احتياطاً على اللغة ومن يريد النطق بها([5]).

وتعدّ الضرورات الشعرية من العلامات البارزة التي تفرق بين الشعر المطبوع والمتكلف في رأي ابن قتيبة الذي يقول: «والمتكلَّف من الشعر وإن كان جيداً مُحكماً فليس به خفاء على ذوي العلم، لتبيّنهم فيه ما نزل بصاحبه من طول التفكر، وشدّة العناء، ورشح الجبين، وكثرة الضرورات، وحذف ما بالمعاني حاجة إليه، وزيادة ما بالمعاني غنىً عنه»([6]).

ومما نبه عليه الوحيد في باب الألفاظ أن على الشاعر أن يختار مفرداته بعناية مراعياً في كل مفردة يختارها مناسبتها لما قبلها وما بعدها؛ لأن اللفظة المستكرهة في البيت الشعري تذهب بجماله وتعفي معالمه فتصبح كالجوهرة المزيفة في عقد ثمين؛ كلفظة (يقذف) في قول المتنبي:

«كالبَحْرِ يقْذِفُ للقريبِ جواهراً


 

جُوداً ويبْعَثُ للبعيدِ سَحائباً»


ولا حجة لابن جني الذي يرى أن لفظة (يقذف) قد وردت في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿بل نَقذفُ بالحقِّ على الباطلِ فيدْمَغُه﴾([7]) وورودها في رأيه فيه يمهد الطريق لقَبولها أينما وردت على ألسنة المبدعين؛ فقد ذهب الوحيد إلى أن الشعر لا ينبغي أن يقاس على القرآن في الاحتجاج للشاعر إذا أورد لفظة وردت في القرآن، وعلّل ذلك بأنّ القرآن نزل بلغة قوم فهموه، وليس للشعراء المتأخرّين أن يستخدموا منه ما يحتاجُ إلى تفسير([8]).

وليست علّة الفهم التي ذكرها الوحيد هي الوحيدة التي يستدلّ بها على منع استخدام اللفظة المذكورة، بل السياق الذي تَرِد فيه هو الذي يحكم عليها فيجيز استخدامها أو يمنعه.

وعلى الشاعر في رأي الوحيد ألّا يستخدم في شعره مصطلحات معروفة في علوم مختلفة كالفقه والكلام والصوفية ويوضّح نظرته في ذلك بأن الشعر لا يحسن إلا في الأساليب التي أتت بها العرب وبألفاظها، فذِكْرُ الدّين والقصص يُضْعِفُ الشعر، وعلى الشاعر ألا يضمّنَ شعره كلَّ ما تعلَّمه، وفي هذا يقول: «أرأيت لو تكلّم الإنسانُ كلامَ الزنجِ والتركِ الذي يمهُر فيه، أكان يحسن أن يحشو به الشعر؟!»([9]).

والمتنبي مخطئ في قوله:

خُذْ ما تراهُ ودَعْ شيئاً سَمِعْتَ بِهِ


 

في طلعةِ الشّمْسِ ما يُغْنيكَ عَنْ زُحَلِ

لأنه ذكر زحلاً، والشعر لا يحسن فيه الإكثار من مثل هذا، ولا من كلام المنجّمين ولا الفلاسفة ولا الطب ولا المتكلمين، وإنّ فيما نطقت به العرب مندوحةً للشاعر عن مثل هذا([10]).

ويتصل بذلك أن الشاعر حين يغرق في الاستدلال بمصطلحات النحو والصرف على معانيه الشعرية يفقد شعره بهاء الشعر ورقته وجماله، من مثل قول المتنبي:

وكانَ ابْنا عَدُوٍّ كاثراه

 

له ياءَيْ حُرُوفِ أُنَيْسِيَان

لأن هذا في رأي الوحيد لا يفهمه إلا المُغْرِقُ في النحو، وغيره لا يفهمه([11] )، فكيف هو الأمر إذا كان هذا البيت من قصيدة أُنشدت بحضرة الملك أبي شجاع عضد الدولة، وقد وصفه الوحيد بأنه ملك أعجمي!([12]).

وللوحيد رأي مهم في مستوى لغة النص الشعري، فإذا بدأ الشاعر قصيدته بألفاظ مستمدة من البيئة البدوية فعليه أن يحافظ على ذلك في سائر قصيدته، يقول: «فإذا ابتدأها بدويّة فعليه أن يُحافظ على ذلك، وليس له أن يخلط البدوي بالحضري»([13]).

يتعلق بذلك أن على الشاعر إذا كان حضرياً أن يستخدم الأحسن والأعرف من اللغات؛ لأنه قد قرأ اللغات وعرف الأشعار وتأدّب، ويعلّل الوحيد ذلك بأن السامع لشعره إذا ورد عليه ما لا يعرفه، أو ما لم تَجْرِ العادة باستعماله استهجنه، وشغله ذلك عن استحسان ما فيه من المعنى، وبالجملة؛ فليس كلُّ ما نطقت به العربُ ينبغي للشاعرِ الحاذقِ أن يُودِعَه شعرَه، وإن كان قد جاءَ عن العربِ؛ فإن ذلك لغتُهم وليس بلغةِ مُحْدَثٍ ([14]).

والمتنبي في رأي الوحيد كان يحبّ الإغراب لِيُعْلم الناس أنه لغوي، ولكن لزوم المشهور إذا كان حسناً أفضل في النظم والنثر([15]).

وكذلك على الشاعر أن يتجنب استخدام الكلام الوحشيّ، والمتنبي قد خرج عن المألوف في استخدامه كلمة «ممغوطة» في قوله:

 أَنْساعُها مَمْغوطَةٌ وخفافُها

 

وطَريقُها عَذْراءُ

لأن لفظة ( ممغوطة ) وحشية وليست لفظة رشيقة ولا مليحة.([16])

وتبلغ الغرابة حداً غير مقبول ولا مستساغ إذا وردت الكلمة الوحشية في قافية الشعر؛ فالمتنبي لم يوفق في استخدامه كلمة ( القِنْس ) بمعنى: الأصل في قوله:

فقَلّما يلْؤُمُ في ثوبهِ


 

 

 

إلا الذي يلْؤم في غرسهِ


منْ وجدَ المذهب عن قَدْرِهِِ

 

لم يجدِ المذْهبَ عن قنسِهِ

ومثل هذا عيب في صناعة الشعر، وإنما ينبغي أن تسبق معاني الشعر ألفاظه بياناً ووضوحاً، وعلّة ذلك أن المتلقّي سيتوقّف عند لفظة ( القنس ) إذا لم يكن يعرف معناها، وهذا يقطع تواصله بالشعر، ويذهب بلذّته.([17])

والشاعر معنيٌّ باختيار مفرداته لتناسب المقام، وهنا تظهر دقة الوحيد في الكشف عن المفردات القلقة في مكانها كلفظة «وحشية» في قول المتنبي:

مِسْكِية النّفحاتِ إلّا أََنّها

 

وحْشيّة بِسواهُمُ لا تعبَقُ

فـ «(وحشية): كلام قلق، لا يليق بما قبله من قوله: (مسكية)» ولا بما بعده من قوله (لا تعبق) فلا يقال لما لا يعبقُ وحشيّ، وقد استعار ذلك في غير موضعه([18]).

والشعر في رأي الوحيد ما قرب من حواسّ الناس، وقبلته قلوبُهم، وقارب المعهود فتقبله القلوب، وما أفرط أنكرته ولم يدخل فيها.([19])

ومن خلال حديثه عن المفردات نبّه الوحيد على بعض الصيغ المكروهة في الشعر، ومنها صيغة (فَاعَلَ) و(تَفَاعَلَ) إذ وجد أنهما خاليتان من صفة العذوبة لأنهما لفظتان مستثقلتان مثل «نساري» في قول المتنبي:

حتّامَ نحن نُساري الليلَ في الظلمِ

 

وما سُراه على خُفٍّ ولا قَدَمِ

و«يُباقى» في قوله أيضاً:

وحاشى لارتياحِكَ أن يُبَارى

 

وللْكرمِ الذي لكَ أن يُباقى

و«جاود» في قوله:

كأنك ما جاوَدْتَ مَنْ بانَ جُودُهُ

 

عليك ولا قاتَلْتَ مَنْ لم يُقَاتِلِ

و«تعايش» في قوله:

والناسُ أَنْزَلُ في زمانِكَ مَنْزلاً

 

مِن أنْ تعايِشَهم وقَدْرك أرْفَعُ

والإكثار في الشعر من هذه الأوزان يُثْقِله ويذهب بنوره.

والوحيد يذكر هذا معترضاً على ابن جنّي الذي استحسن لفظة «نساري» في بيت المتنبي، على أنه استحسن لفظة «تفاوح»  في قوله:

إذا سارَتِ الأحْداجُ فوق نباتِه

 

تَفَاوَحَ مِسْكُ الغانياتِ ورَنْدُه

وما استحسانه لهذه اللفظة إلا لمكان الحاء فيها كما صرح هو بذلك.([20])

ويتصل بحديثه عن اللفظ رفضه لتكرار المفردة في البيت الشعري كما في قول المتنبي:

وقَلْقَلْت بالهمِّ الذي قَلْقَلَ الْحَشا

 

قلاقِلَ عِيْسٍ مالَهُنَّ قلاقِلُ

وكذلك يرفض أن يأتي الشاعر بألفاظ كثيرة تدلّ على معنى واحد كما في قول المتنبي:

رأيْنا بِبَدرٍ وآبائِهِ


 

لِبَدْرٍ وَلُوداً وبَدْراً ولِيْدا

لأنه يقصد ـ كما يرى ابن جني ـ أن ممدوحَه قمرٌ وأبوه أبو القمر، ومن يلجأ إلى تَكرار الألفاظ لتعبّر عن معنى قليل لا ينسبُ إلى الإحسان في رأي الوحيد، وأقل ما على الشاعر فعله أن يُفْهِم ويُبَيِّن غرضه، وأحسن الشعر ما سبق لفظه معناه، وقد وصف النقاد كلام الشعراء الحسن بأن تكون الألفاظ لا شديدة المجاز فتُحْوِج إلى تفسير، ولا طويلة الإسهاب يعاد فيها المعنى مرة بعد مرة، وبيت المتنبي السابق مما اجتمع فيه العيبان: الإطالة والاستعجام.([21])

ويشترك الوحيد مع عموم النّقّاد في رفض المعاظلةِ في الكلام، وينطلق في ذلك من أن روح الشعر تأبى التعقيد في اللفظ والتقديم والتأخير الْمُخِلَّ بفهم الكلامِ من غير علةٍ بلاغية أو معنوية. وقد سمّى ذلك «القلق» وأطلق عليه أيضاً مصطلح «التّضْريس» ومثالٌ له قول المتنبي:

فَتىً ألْفُ جُزْءٍ رأيُهُ في زمانِهِ

 

أَقَلُّ جُزَيْءٍ بَعْضُهُ الرأيُ أَجْمَعُ

وترتيب الكلام: «فتى رأيه في زمانه ألف جزء، وأقل جزء من هذه الأجزاء يساوي الرأي الذي في أيدي الناس كلَّه».([22])

وقلق الكلام في رأي الوحيد يشغل المتلقي عن فهمه، فإذا اجتمع مع القلق تعذّر الفهم لحظة الإنشاد كان الكلام قبيحاً، وصناعة الشعر في رأيه أعلى وأجلّ من أن يعدّ فيها مثل هذا.

ويعدّ التناسب بين الألفاظ في البيت الشعري أمراً ضرورياً عند الوحيد، وكذلك التناسب بين المصراعين، والمتنبي لم يحقّق هذا الشرطَ في قوله:

أَسَدٌ، دَمُ الأسَدِ الْهِزَبْرِ خُضَابُهُ

 

مَوْتٌ فَرِيْصُ الموتِ منه يرعدُ

إذ كان ينبغي له أن يجعل مع الأسد ما يشاكِلُه لفظاً، ويقاربُه معنى، ولكن عَجُزَ البيت ينبو عن صدرِهِ، وقد سئل بعض العلماء بالشعر: «من أشعر الناس.؟ فقال: الذي يقول الكلمة وأختها، ولا يقول الكلمة وابنة عمتها»

وقد نص في موضع آخر على ضرورة أن يقارب الشاعر بين مصاريع أبياته؛ لأن المباعدة بين المصراعين من عيوب الشعر، وهي تدل على أن الشاعر يأخذ كل ما استطاف به، ويعلق بكل ما سنح لخاطره، و المتنبي يشهد بذلك بقوله:

مَنْ يَعْرِف الشمْسَ لا يُنْكِر مَطَالِعَها

 

أو يُبْصِرِ الخيلَ لا يتكرم الرمكا([23])

ب - في المعاني:

أما باب المعاني عند الوحيد فيشمل ملاحظاته عن تكرار المعنى، ومناسبة الكلام للمقام والمبالغة والخروج عن الدين والتضمين والإحالة والغلو والتناقض، واحتمال أن يفهم المعنى على وجهين متناقضين.

أما تكرار المعاني فلا يجوز للشاعر، وإعادته إياها أمر مُسْتَثْقَلٌ وقبيحٌ في صناعةِ الشعر([24])، وما ذَكَرَه الوحيد من أمر التكرار لا يخالِفُه فيه أحدٌ.

ويرى الوحيد أن الشاعر مطالب بأن يناسب كلامُه المقامَ الذي يصاحبه، وهو في هذا يؤيّد ابن جنّي الذي ينقل خبَراً عن بشار بن برد إذ سأله أبو خلّاد: إنك لتجيء بالأمر المتفاوت، فمرّة تثير العجاج بشعرك فتقول:

إذا ما غَضِبْنا غَضْبةً مُضَرِيّةً

 

هَتَكْنا حِجابَ الشّمْسِ أو قَطَرَتْ دَمَا

ثم تقول:

ربابَةُ ربّةُ البيت... (البيتين)

فقال بشار: «إنما أكلّم كلّ إنسانٍ على قدر معرفتِه»([25]).

ومن مخالفة المقال للمقام أن يذكر الشاعر أمام الملك ما تتقزز منه النفس كما في قول المتنبي:

سَقَاني اللهُ قبْلَ الْمَوت يَوماً

 

دَمَ الأعداءِ من جَوفِ القُروحِ

فقد رأى الوحيد أن هذا البيت غيرُ لائقٍ أن ينشدَ أمامَ ملك، وذِكْر الدم من جوف القروح شيء غير ظريف، ولا يطيب به وقت نديم، والشعر ينبغي أن يعمل على حسب الأوقات ويتقرّب به من القلوب([26]).

وعدّ الوحيد من مخالفةِ هذه القاعدةِ استخدام المتنبي للفظة «مجهشة» بمعنى متحيّرة في معرض الغزل، وذلك في قوله:

تَرْنو إليَّ بِعَيْنِ الظَّبْيِ مُجْهِشةً

 

وتَمْسحُ الطّلَّ فوقَ الوردِ بالعنمِ

ويتّصل بالحديث عن المعنى تفسير الوحيد للجوء الشاعر إلى المبالغة في شعره، وهو تفسير لطيف؛ إذ يرى أن الشاعر إنما يعمد إلى المبالغة في الشعر عندما يعييه إيراد معنى مليح حسن، فالمبالغة هروب من الشاعر وليست إحساناً، والشاعر عندما يبالغ فإنه يشغل الأسماع، وقد وصف ذلك العمل من الشاعر بالاستراحة، بمعنى أننا حين نرى في أبيات شاعر مبالغة فإنما هي صدى لعجز الشاعر عن الإتيان بالمعاني الحسنة([27]).

وفي هذا السياق يقرّر الوحيد قاعدة ومعياراً ينظم مبالغة الشاعر في شعرهِ يرى أنها استراحة، وليس للشاعر أن يشبع شعره بها، بل أن يأتيها قليلاً، ويعلل ذلك بأن الشاعر قادر عليها في كل الأوقات([28]).

وعلى الشاعر في رأي الوحيد أن يقارب كلامه من الحق والعرف الذي يعهده الناس حتى لا يمجّوا كلامه، فإذا خاطب الناس بما يكرهونه من الخروج على الدين والتعرض للعقائد كقول المتنبي:

أيَّ مَحَلٍّ أَرْتَقي

 

أَيَّ عَظِيمٍ أَتّقي

وَكُلُّ ما خَلَقَ اللّـ

 

ـهُ وما لَْمْ يَخْلُقِ

مُحْتَقَرٌ في هِمَّتي

 

كََشَعْرَةٍ في مَفْرِقي

فقد أخطأ، والأبيات الثلاثة في رأي ابن جني والوحيد غير لائقة؛ إذ وصفها ابن جني بالغلوّ. ورأى الوحيد أن على المتنبي أن يقيِّد كلامَه فيقول: «من أمر الدنيا» ولو صنع ذلك لكان تخلص من الانتقاد([29]).

ويرى الوحيد أن التضمين في الشعر قبيح، وخاصة إذا ورد عند المحدثين؛ لأنه استقرَّ في أذهان الشعراء والعلماء بالشعر أنه من العيوب، ولا يُعْذَرُ المولّدون إذا أتوا به في أشعارهم، لأنهم قرؤوا الكتب وعرفوا محاسنَ الشعرِ ومقابِحَه والعرب قديماً أتوا به من طباعهم([30]).

وللغلوِّ في الشعر نصيبُه من اهتمامِ الوحيدِ، ولعلَّ أهميةَ اهتمامِه بهذا العيب تنبعُ من جعله الغلوَّ في الشعر قريناً للابتعاد عن الشعرية، فالشعر عنده لا يعني الغلوَّ في المعاني، ولو كان كذلك لكان المحدثون في عصرِه أشعرَ من القدماءِ والأوائلِ؛ لأنّهم غالوا في المعاني الشعرية، والشعرُ في رأيه ما قَرُب من حواسّ الناس، وقبلتْه قلوبُهم وقاربَ المعهودَ، فتقبله القلوب، وما أفرطَ أنكرتْهُ، ولم يدخلْ فيها([31]). والمغالاة والإحالةُ ليس من أشرفِ أقسامِ الشعر التي جعلَها في ثلاثِ طبقات هي: الشعر المُطْرِب؛ وهو كشعر جرير وجميل وغيرهما وتبعهم البحتري، والشعر المُعْجِب؛ وهو كشعر كثير والفرزدق وهو الجزل الجيد المعاني، ثم المضحك، وكلما غالى الشاعر في المعاني وعمق بَعُد من القلوب([32]).

ويدخل في سياق حديثه عن المعايير المطلوبة في المعاني ضرورة اجتناب الشاعر الشعرَ الذي يحتمل معنيين أحدهما يناقض الآخر، وهنا يظهر الوحيد من دعاة وحدة البيت الشعري؛ لأن السياق الذي يرد فيه البيت يوجّه معناه إلى أحد المعنيين دون الآخر، ولكنه لما كان من دعاة وحدة البيت الشعري كره أن يحتاج القارئ إلى معرفة السياق الذي ورد في هذا البيت حتى يحدد معناه، يقول تعليقاً على قول المتنبي في كافور:

وما زالَ أهلُ الأرْضِ يَشْتَبِهونَ لي

 

إلَيْكَ فلمّا لُحْتَ لي راحَ فَرْدُهُ

 «هذا بيت يحتمل معنيين، مدحاً وهجاءً، فلو كان في هجاء لاحتمله، ولكنه مدح، فهو مدح، وما كان من هذا النوع فليس بفاخرُ من الشعرِ لفقرِه إلى ما تقدّمه»([33]).

ويرى كذلك أن الشاعرَ إذا أوردَ معنىً ما في قصيدةٍ، ونقضه في قصيدة أخرى فلا ضير؛ لأن لكل قصيدة حالاً وظرفاً مصاحباً يفصلها عن القصيدة الأخرى، لكن الشاعر إذا أورد التناقض في قصيدة واحدة فإنه سيكون في موضع اللّوم.

وهو في هذا الرأي يخالف ابن جني الذي يرفض أن يَرِدَ التناقضُ في المعاني عندَ الشاعر ولو كان المعنيان المتناقضان في قصيدتين مختلفتين، ويعلّل الوحيد رأيه بأن الشاعر قد يحمد الشيء ويصفُه بالحسن بكلام حسنٍ مقبول ثم يذمُّه في قصيدةٍ أخرى،.. فلا يعدُّ ذلك عليه تناقضاً، قال الوحيد: «ولا سمعتُ عن أحد من نقّادِ الشعر أخذَ على الشاعر مثلَ هذا، وإنما يؤخذُ عليه تناقضُ كلامِهِ في حالٍ واحدةٍ في بيت واحدٍ، فأما في شعر آخر قد رمى فيه إلى غرض سوى الأول فلا»([34]).

ومما يلحق بتوجّه الوحيد إلى التدقيق في معاني الشعر مقارناتُه بين نصوص شعرية مختلفة وتفضيل بعضها على بعض مع إيراد العلّة لذلك، والأمثلة على هذا كثيرةٌ في تعليقاتِه، ومنها ما ذكرَه بعدَ قولِ ابنِ جنّي في شرحِ بيت المتنبي:

يَشْأى إلى المِسْمَعِ صوتَ الناطقِ

 

لَوْ سابَقَ الشّمسَ من المشارقِ


قالَ ابنُ جني: «يقول إذا صاح الصائحُ سبق إلى أذن السامع فوصل إليها قبل أن يصل الصوت إليها، وما سمعت في هذا شيئاً فيه هذه المبالغة، على أن ابنَ المعتزَّ قد قال في وصف صقر أو بازٍ:

مُبَارَك إذا رأى فقدْ رُزِق

وهذا لعمري كلام ظريف حسن، إلا أنه ليست فيه هذه المبالغة المفرطة»([35])

أما نظرة الوحيد إلى قضية اللفظ والمعنى فنجدُه يتردّد في هذه القضية، فمرة يقول بأهمية ركني هذه القضية وبتجنُّب تفضيل أحدِهما على الآخر؛ إذ رأى أن الفاضلَ في صناعةِ الشعر مَنْ كثُرَت اختراعاتُه لمعاني الأفكار وأتى بالفصيح المليح من كلام العرب، وأخذ مع ذلك النظم وأجاد النسج([36]). على أنه يصرح أحياناً بأن الخطأ في المعنى أقبح من الخطأ في اللفظ([37]).

وتارةً يرى أنّ كثرةَ المعاني ليست مما يحسِّنُ الشعر ويقوّيه ويميّزه، ويجعل المعوّل في الحسن في الشعر على حسن العبارة والأساليب التي ترد فيها المعاني وحسن النظم.

وفي حديثه عن اللفظ والمعنى طالب الوحيد الشاعر بألا يأتي بألفاظ كثيرة لتدل على معنى قليل كقول المتنبي:

رَأَيْنا بِبَدْرٍ وآبائِهِ

 

لِبَدْرٍ وَلُوداً وَبَدْراً وليداً

إذ يقصد الشاعر في هذا البيت كما يقول ابن جني أن ممدوحه قمر وأبوه أبو القمر، وفي هذا ما فيه من التكلف والابتعاد عن الإحسان؛ إذ أقل ما على الشاعر في رأي الوحيد أن يُفْهم ويبيّن أغراضه، وأحسن الشعر ما سبق لفظه معناه، وقد وصف النقاد كلام الشعراء الحسن بأن تكون الألفاظ لا شديدة المجاز فتحوج إلى تفسير ولا طويلة الإسهاب يعاد فيها المعنى مرة بعد مرة([38])، وبيت المتنبي السابق مما اجتمع فيه العيبان: الإطالة والاستعجام، وعلى الشاعر ألا يعقّد اللفظ فيُحْوِجَ القارئَ إلى التأمُّلِ الطويل والتعب لتحصيل المعنى، فإذا لم يلتزم الشاعر ذلك لم يُعَدَّ شعرُه في فاخر الشعر ولا عُدَّ هو من الحذّاق([39]).

جـ ـ في الأغراض الشعرية:

وإذا انتقلنا إلى الحديث عن الأغراض الشعرية ونظرة الوحيد إليها وجدناه يضع مجموعة من الضوابط لبعض الأغراض الشعرية، كالمدح والهجاء والغزل والوصف؛ ففي غرض المدح على الشاعر ألا ينصح الممدوح أو يعظَه بأن يقتصد في العطاء ويدّخر الأموال حتى يطيعه أتباعُه إن كان من ذوي السلطان، بل على العكس تماماً؛ على الشاعر أن يرغّبه في العطاء ويحبب إليه الاعتياض من ماله بالحمد([40])، وهو يرى أن البارع من الشعراء في المدح والحاذق فيه مَنْ قالَ القصيدة في الرجلِ لا تصلح أن توجّه إلى شخص آخر سواه، وقد نقل هذا الرأي عن أبي تمام([41]).

وفي غرض المدح ينبّه الوحيد الشعراء على أن يتجنبوا الإفراط في المديح؛ وعلةُ ذلك أن إسباغ صفات على الممدوح لا يتصف بها حقيقة يجعل الناس غير واثقين بالشاعر، وقد يتعدى ذلك إلى الشكِّ في كلِّ شيء قالَه من مدحٍ أو هجاء.

والمتنبي في مدحه لأبي العشائر بقوله:

فَيَا بَحْرَ الْبُحورِ وَلا أُوَرّي

 

وَيا مَلِكَ الملوكِ ولا أُحَاشِي

وقد أفرط في وصفه بـ «ملك الملوك» إذْ لم يكن أبو العشائر على فضله واستحقاقه للمدح ـ في رأي الوحيد ـ كذلك.

ويتصل بهذا المعيار استخراج معيار جمالي مؤدّاه أن الشاعر يتجنّب الإفراط في المدح بإحداث مقاربة للتشبيه، وهذا احتيال منه ليقع كلامُه موقعاً من القلوبِ، وربما لجأ الشعراء من أجل إيقاع ذلك فيما يأتون به إلى مفارقةِ العادة والعرفِ حتى يشكّوا في الشيء ولم يكن عندهم فيه شك.

قال ذو الرّمة:

أَيَا ظَبْيَةَ الوَعْساءِ بَيْنَ جُلاجِلٍ

 

وَبَيْنَ النّقا آأَنْتِ أَمْ أمُّ سالمِ

فأظهر الشك ليري قربَ الشبهِ بينهما، ولو قالَ: أنت أحسن من الظبية لكان صادقاً، ولكن في مقاربة التشبيه لطافة تقع في القلب وتدعو إلى التصديق([42]).

وعلى الشاعر ألا يخطئ فيمدح السّوقةَ بمدح الملوك، والملوك بمدح السوقة([43]).

وفي غرض الهجاء يربط الوحيد هذا الغرض بالغاية منه وهي الإضحاك، فإذا انحرف الشعر عن هذه الغاية كان ممجوجاً قبيحاً، ولذلك على الشاعر ألا يستخدم في الهجاء ألفاظاً تدعو إلى التفكر فيها ملياً ثم لا يحصّل القارئ من بعد التفكر شيئاً من المعنى فينصرف عن الشعر([44]).

وفي الغزل على الشاعر في أثناء وصفه محبوبه ألا يقرن في القول الأجزاء المتباعدة في الجسم كأن يصف الشفاه والنهود معاً كما في قول المتنبي:

وَأبهمُ نَفْسي لِغَيْرِ الخَنَا

 

بِذِكْرِ ذَواتِ اللّمى والنُّهودِ

فذكره اللمى مع النهود أيضاً بما لا يتقارب، وإنما يذكر الخدّ مع الفم والعين مع الخدّ، فإذا تباعد بين الأعضاء لم يحسن في صناعة الشعر([45]).

ويكره الوحيد ـ في غرض الوصف ـ أن يُكثِرَ الشاعرُ من تعدادِ أوصافِ الموصوفِ في بيتٍ واحد كقول المتنبي:

فتاة تساوى عِقْدُها وكلامُها

 

ومَبْسِمُها الدريُّ في الحُسْنِ والنظمِ([46])

د ـ موقفه من الصورة الشعرية:

للصورة الشعرية أهميتها عند الوحيد، غير أن نظرته إليها منبثقة من نظرية عمود الشعر عند العرب، وخاصة فيما يتعلق بالاستعارات والتشبيهات؛ إذ يرى أن على الشاعر أن يراعي المألوف عند العرب في استعاراتهم وتشبيهاتهم، بمعنى أن يقارب الشاعر بين المستعار منه والمستعار له، والمقاربة بين المستعار منه والمستعار له من أسس عمود الشعر التي صرح المرزوقي بها في نصه الشهير:

«إنهم كانوا يحاولون شرف المعنى وصحته وجزالة اللفظ واستقامته، والإصابة في الوصف، والمقاربة في التشبيه، والتحام أجزاء النظم والتئامها على تخيّر من لذيذِ الوزن، ومناسبة المستعار منه للمستعار له، ومشاكلة اللفظ للمعنى وشدّة اقتضائهما للقافية حتى لا منافرة بينهما»([47]).

وفي رأيه أن المتنبي قد أخطأ في قوله:

فَإِنّي رَأَيْتُ الْبَحَرَ يَعْثرُ بالفتى

 

وهذا الذي يأتي الْفَتى مُتَعمّداً

لأن العرب لم يستخدموا الصورة الشعرية على هذا النحو، ولم يألفوا أن يقولوا: إن البحر يعثر بالفتى، وإن الذي ألفوه واستخدموه في أدبهم قولهم: «عثر الدهر به، وعثر الزمان به» ولذلك كان قول المتنبي هجيناً غير لائق بموضعه([48]).

هـ ـ نظرته الشاملة للقصيدة:

ويسجّل للوحيد إشاراته التي تعكس نظرته الشاملة إلى القصيدة، وهي إشارات مهمّة على الرغم من قلتها في الكتاب، وتنبع أهميتها من أنها تردّ شيئاً من الانتقاد الموجّه إلى النقد العربي القديم في جانبه التطبيقي أنه نقدٌ جزئي يتناول البيت المفرد ويتجاهل القصيدة بوصفها نصاً كاملاً.

يقول الوحيد: «القصيدة بأولها وخروجها وخاتمتها، فهذه المواطن هي التي تلفت نظر القارئ»([49]).

وعلى الشاعر ـ في رأيه ـ أن يحسن فاتحة القصيدة([50]) وألا يصنع صنيع المتنبي في مطلع قصيدته:

جَلَلاً كَما بِي فَلْيَكُ التّبْرِيحُ

 

أَغِذاءُ ذا الرَّشَأِ الأَغَنّ الشِّيْحُ

وفي الانتقال من غرض إلى غرض على الشاعر أن يحسّن خروجه، فإذا انتقل من غير سبب مسوّغ يتعلق من خلاله السابق باللاحق كان ذلك عيباً وكان مُسْتهجَناً في الشعر([51]).

ويتصل بنظرته الشاملة للقصيدة طلبه من الشاعر أن يُحْدث تناسباً بَيْن أبياتِ القصيدةِ.

و ـ آراء الوحيد في شعرية النص الشعري:

وتكتسب آراء الوحيد فيما يعرف حديثاً بمصطلح الشعرية أهمية بالغة لأسباب منها قِدَمُ الناقد، ودقة نظرته إلى طبيعة الشعر، وما ينبغي أن يتحقق فيه من خصائص حتى تتمثل الشعرية فيه.

ولكي تتحقّق الشعرية  عند الشاعر لا بدّ له من أن يبتعدَ عن كلامِ المتصوّفة أو غيرهم ـ كما سبق ـ من أهل الكلام أو الطب أو الفلاسفة، حتى لا يفسد شعره؛ لأن كلام هؤلاء ومصطلحاتهم تنبو عن السمع في الشعر، ولو استخدم الشاعر شيئاً مما يتصل بهؤلاء لكان البيت الشعري عنده كأنه ثوب من ألوان تدل على العجز([52]).

كما عليه أن يجتنب ذكر الدّين والقصص في شعره؛ لأن ذلك مما يُضْعِفه، وليست كثرة المعاني في الشعر مما يحسّنه ويقرِّبه من تحقّق صفةِ الشاعريةِ فيه، وهنا ينبّه الوحيدُ على أنّ الشعر  يُراد منه المعنى المبتكر، كذلك يُراد منه أن يطرب النفس ويمتعها، ولا يكون هذا بتجميع المعاني وتكثيفها حتى يرهق القارئ نفسَه في تحصيلِها وفهمها بعيداً عن الالتذاذ بعناصر الشعر الأخرى كالوزن والإيقاعِ والصورة وحسنِ العبارة وفصاحتِها([53]).

ثانياً ـ معايير تحكم عمل الناقد:

بقي أن نشير إلى أن الوحيد، في تعليقاته على كتاب الفَسْر، تحدّث عن مجموعةٍ من المعايير التي تحكم عمل الناقد وتقرّبه من الموضوعية، ومن هذه المعايير أنه دعا الناقد إلى أن يصون لسانه من سبّ الناس وشتمِهم، جاء ذلك في تعليقه على قول ابن جني: «ما لهذا الرجل الفاضل [يعني المتنبي] عيب عند هؤلاء السقطة الجهّال وذوي النذالةِ والسفّالِ إلا أنه متأخّرٌ مُحْدَثٌ». إذ يقول: «أين تفسير الشعر من سبّ الناس»([54])

وفي موضع آخر يقول لابن جني: «إن الزمان الذي قد ذممته قد عمل فيك شره، وأجال في علمك سحره حتى سببت الناس في كتابك سبّ العوام والأرذال، وإنما تريد نصرة صاحبك بالحُجّة لا بالشتيمة والغلبة»([55]).

فالوحيد يطالب الناقد بالحجة والبرهان لنصرة الشاعر.

وفي الحديث عن الموضوعية يدعو الوحيد النقاد إلى مبدأ في النقدٍ يقضي بأن يجيلَ الشاعر فكره في النص الأدبي، ويستحسنَ منه ما يستحسنُه، ويستقبحَ ما يستقبحُه، لا أن يفكِّر فيه وفي ذهنِهِ رأي سابق فيه أخذه عن شيخ أو عالم قد سبقه.

وفي هذا المبدأ النقدي المهمّ يقول الوحيد: «العجب العجب لهذا الرجل الذي قلّد أبا علي [في] تفضيل هذا الرجل وتقبّله هذا التقبل، ويريد من الناس أن يقلِّدوه [في] تفضيله ويجروا على سبيله، وهيهاتَ لم تأتِ يا أيها الشيخُ بشيء، يقال: النقد لا يحتاج إلى تقليد، ولا تساوي الحكايات عند النقد شروى فتيل»([56]).

ويطالب الوحيد النقاد بالتدقيق في مصطلحاتهم النقدية، من ذلك أن ابن جني كان يسمّي التداخلَ في المعاني والتراكيبِ في شعرِ أبي الطيبِ المتنبي: «قوةَ الصنعةِ» ولكنه يعلّق عليه بقوله: «هذا الرجل يسمي (ضعف الصنعة) (قوةَ الصنعة)، فإذا تعقّد الكلام عنده كان قوةَ صنعه؟!!»([57]).

وعلى الناقد في رأي الوحيد ألا يبالغ في استحسانه بيتاً من الشعر؛ لأن في ذلك ابتعاداً عن الدقة العلمية، والمثال على ذلك أن ابنَ جني استحسن بيتَ المتنبي:

أَنْتَ الذي سَبَكَ الأمْوالَ مَكْرُمَةً

 

ثُمَّ اتّخَذْتَ لها السُّآَّلَ خُزّانا

فقال: «كذا والله يَشْعُرُ الناس، وإلا فَلْيَخْرَسوا».

ولكن هذا الإعجاب الشديد لم يرق للوحيد ـ وهو محقّ في تعليقه الذي يقول فيه: «إن البيت الجيد من شعره [المتنبي] ليحل من القلوب محلّ مثله، فإذا تكلم صاحب الكتاب عليه بمثل هذا الكلام الذي كأنّه كلامٌ سوقيّ أو بائع شيء من هذه الأمتعة الدنية خرج ـ يشهدُ الله ـ من القلب لشدّة استقبال ما يجيء به، وقد فسّر الناس أشعار الشعراء، من الأصمعي وأبي عبيدة وطبقتهما إلى يعقوب وثعلب، ثم إلى الصولي في تفسيره أشعار المحدثين، فما سمعت لأحد منهم في تفسيره مثل هذا الكلام الذي يدلّ على زيادة خفة ونقصان وزن، ثم إنه يمرّ به البيت البديع فلا يتكلم عليه، ويتكلم على ما هو دونه»([58]).

وهكذا نجد بعد استعراض آراء الوحيد النقدية من خلال تعليقاته على كلام ابن جني في كتابه الفَسْر أنه استطاع أن يكون ندّاً له، يرفض في أكثر المواضع من الكتاب آراءه ويردها بالحجة والبُرهان، على أننا نلمح أنه تعصب في قدر كبير من آرائه للقديم، وقد تنوعت آراؤه فشملت عناصر الشعر كاللفظ والمعنى والصورة الشعرية، وتعدت ذلك إلى الحديث عن صفات الناقد، والمنهج الذي ينبغي له أن يتبعه حتى يوصف عمله بالموضوعية، غير أننا من جهة أخرى نلمح أن الوحيد قد قسا على ابن جني في كثير من هجومه عليه، ولا ينكر أحد فضل ابن جني وعلمه وجهوده في تفسير شعر المتنبي.

وحسب هذا البحث أنه ألقى الضوء على هذا الكتاب المهم، الذي يعد من كتب النقد التطبيقي عند العرب، وفيه ما فيه من تتبّع للآراء وتدقيق في المعاني ومهارة في معرفة صنعة الشعر وطرائق نظمه عند الشعراء ومقدرة على المفاضلة بينهم.

المصادر والمراجع

* الأعلام: خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، ط/10، 1992م.

* بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة: السيوطي، تح: د.علي محمد عمر، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط1، 2005م.

* ديوان أبي الطيب المتنبي ( بشرح العكبري )، تح: مصطفى السقا وزميليه، دار المعرفة، بيروت.

* روضات الجنات: للخوانساري، الدار الإسلامية، بيروت، ط1، 1991م.

* شرح ديوان الحماسة: للمرزوقي، تح: أحمد أمين وعبد السلام هارون، دار الجيل، بيروت، ط1، 1991م.

* الشعر والشعراء: لابن قيتبة، تح: أحمد محمد شاكر، دار الحديث، القاهرة، 2006م.

* طبقات فحول الشعراء: لابن سلام الجمحي، تح: محمود محمد شاكر، مطبعة المدني، القاهرة.

* الفَسْر: ( شرح ابن جني الكبير على ديوان المتنبي )، تح: رضا رجب، دار الينابيع، دمشق، ط1، 2004م.

* كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون : لحاجي خليفة، دار الكتب العلمية، بيروت، 1992م.

* معجم الأدباء: لياقوت الحموي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1991م.

* الوافي بالوفيات: لصلاح الدين الصفدي، باعتناء: ريتر ورفاقه، فرانزشتاينر، ط1، 1962م.



([1])      ترجمته في معجم الأدباء، ياقوت الحموي، 3/ 1356-1357، والوافي بالوفيات، صلاح الدين الصفدي، 15/ 176، وبغية الطلب، باعتناء: ريتر ورفاقه، فرانزشتاينر، 9/ 4272ـ4274، وبغية الوعاة، السيوطي، تح: د.علي محمد عمر 1/ 580، وكشف الظنون، حاجي خليفة، 1/ 812، وروضات الجنات، الخوانساري، 1/ 222-223، والذريعة،  13/272 والأعلام، خير الدين الزركلي، 3/87.

([2])      الفَسْر 4/652 وقد سخر من ابن جني في 2/1201 و3/345 و4/643 و648 و659 وغيرها كثير.

([3])      شرح ديوان الحماسة، المرزوقي، تح: أحمد أمين وعبد السلام هارون، 1/12.

([4])      طبقات فحول الشعراء، ابن سلام الجمحي، تح: محمود محمد شاكر، 1/5.

([5])      الفَسْر، الوحيد البغدادي، تح: رضا رجب، 3/ 247، 353 و3/599 و4/ 548 و 353.

([6])      الشعر والشعراء، ابن قيتبة، تح: أحمد محمد شاكر، 1/88.

([7])      الأنبياء: 18.

([8])      الفَسْر: 2/ 438.

([9])      الفَسْر 3/872.

([10])    الفَسْر 3/777.

([11])    الفَسْر 4/102.

([12])    الفَسْر 4/742.

([13])    الفَسْر 3/762.

([14])    الفَسْر 2/126.

([15])    الفَسْر 3/688.

([16])    الفَسْر 2/89.

([17])    الفَسْر 3/276.

([18])    الفَسْر 3/535.

([19])    الفَسْر 2/946.

(([20]    الفَسْر 4/607.

([21])    الفَسْر 2/966.

([22])    الفَسْر 3/363.

([23])    الفَسْر 3/613.

([24])    الفَسْر 2/ 575 و3/21.

([25])    الأغاني، أبو الفرج الأصفهاني، تح: محمد أبو الفضل إبراهيم، 3/ 162 وانظر الفَسْر 2/ 620.

([26])    الفَسْر 2/754و620.

([27])    الفَسْر: 3/568.

([28])    الفَسْر 2/ 1000.

([29])    الفَسْر: 3/537.

([30])    الفَسْر: 4/109.

([31])    الفَسْر: 2/946.

([32])    الفَسْر 2/ 121 و2/ 915.

([33])    الفَسْر: 2/8.

([34])    الفَسْر 3/251.

([35])    الفَسْر 3/ 568.

([36])    الفَسْر 4/102.

([37])    الفَسْر: 4/572.

([38])    الفَسْر بعد 29/ 965.

([39])    الفَسْر 2/ 1189.