مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 108 السنة السابعة والعشرون - كانون الأول 2008 - ذو الحجة 1428
Updated: الاحد, حزيران 01, 2008 12:32 م
فهرس العدد
 

الأنثى ودلالاتها الرمزية في شعري المعري ـــ د.فوزية زوباري(1)

تعدّ رمزية الأنثى في تراث الشعر العربي والعالمي، أحد أخصب الرموز المتشكلة في تاريخ الثقافة البشرية، بالنظر للمكانة والدور والقيمة التي تنطوي عليها، وتضفيها على الوجود.

وليس هناك من حاجة لإعادة اختبار الكلام في هذا الموضوع، بدءاً من تراثنا الشعري القديم. فحضور الأنثى فيه، لا يكاد يدانيه حضور آخر. وهذا جانب موفور في الشعر الجاهلي الذي يقطن فيه الرمز المؤنث بدلالات وجودية وكونية ونفسية، فلا يكاد يُذكر هذا الموضوع، حتى نتصور هذه التجارب المتسلسلة في تاريخنا القديم، من تاريخ الصعلكة، إلى التجربة العذرية، ومن بعدها التجربة الصوفية، التي فتحت التأنيث على العّلو والإطلاق، وأضفت عليه قداسة ينفرد بها عن سائر الرموز الأخرى. وإذا كان المعري يشكل حلقة مهمة في هذه السلسلة الممتدة في أدبنا العربي، فحرّي بنا أن نتبين وجوه نظرته إلى الرمز المؤنث، وإلى كيفية توظيفه له في السياقات المختلفة في شعره، تلك التي تتمايز بين مراحله الذاتية التي تدرَّج فيها وتنقَّل بينها. وكذلك في أطوار حياته الفكرية التي تناوبت بين الشك واليقين، والجدوى والعبث. فكيف يمكن أن نستشف الخصائص والعلامات الكبرى التي استحضر فيها الرمز المؤنث، أو أسبغه عليها.

سنحاول، تسهيلاً لأغراض البحث، أن نتأمل، أولاً، حضور الأنثى رمزياً في شعره بين محاور ثلاثة هي:

أولاً: الأنثى في المجتمع.

ثانياً: الأنثى في الطبيعة.

ثالثاً: الأنوثة المجردة.

ومن ثمّ سنتبّين من خلال ذلك، المحاور الدلالية الكبرى التي انقسم بينها الرمز المؤنث في شعره. وأن نستكشف أيضاً الحصيلة النهائية التي يمكن أن نخلص إليها من عطف هذه الأطراف بعضها على بعض، وأن نتساءل عن علاقة ذلك كله بفكر المعري وفنه وفلسفته.

المحور الأول: الأنثى في المجتمع.

يقول أبو العلاء المعري في محبوبته التي طرقته في النوم:

وطارقتي أخت الكنائـن أُسْرَة

 

وَسِـتْر ولَحْظٍ وابنةِ الرَّمْىِ أربعِ

شـموسٌ أتتْ مثـلَ الأهلّةِ موهِنا

 

فقامت تراغَى بين حَسْرَى وظُلَّعِ

وألقيـنَ لي دُرَّاً فلمـا عَـددْتُـهُ

 

غِنىً مَسَخَتْهُ شِـقوةُ الَجدِّ أدمعَي

وبيضاءَ رَّيا الصيفِ والضيفِ والبُرّى

 

بسيطةِ عُذْرٍ في الوشاح المجَّوع

ومرآتُهـــا لا يقتضيهـا جمالُهــا

 

بمـرآتِهـا والطبعُ غيرُ التَّصنع

وقـد حُبِسَــتْ أمواهها في أديمِهـا

 

سـنينَ وشبّتْ نارُها تحت بُرقُع

وقـد بَلَغَـتْ سِـنَّ الكعـاب وقابلتْ

 

بنكهةِ معقودِ السـخابين مُرْضِع([1])

هكذا تبدو لوحة المرأة لدى المعري، لوحة تنطق بالجمال والحب بكل أطيافهما، ونظرته، بل وعواطفه نحو المرأة – في هذا السياق – لا تختلف عن غيره من الشعراء الذين رأوا في جمالها باعثاً للتغني به، وإغداق الأوصاف عليه جملة وتفصيلاً. وساحة الحقل الدلالي ضمن هذا الإطار غنّية بدلالات تشير إلى النساء اللاتي هن بنظره: شموس، يلقين دراً، أوانس بالفريد مقلدات، وقدودهن مهندات، وخدودهن بالشباب موردات. وتحدث عن درّة الخدر، والقمر، والبيضاء ريّا الصيف، وعن خمر الرضاب، والبيض، والمسك المفتوت، وعقيق الدمع، والجُمان، ......الخ وصورة المرأة تلك يراها ويحسّها ببصيرته، فيرتد بصره حسيراً.

سـرت بقوام، يسـرق اللبَّ، ناعـمٍ

 

إلى مُدْلج، تلقي البُرا، أخت مدلج

وقد حار هادي الرّكب، والليل ضاربٌ

 

بأرواقـه، والصْبـحُ لـم يتبلّج([2])

وتدخل المقدمات الغزلية لقصائده المدحية ضمن هذا الباب، لتضيف إلى الحقل الدلالي الأنثوي رصيداً آخر من الدلالات التي تصبّ في خانة الإعجاب والرضى والقبول، فتعمق من دور الجمال في حّيز الرؤية المعرية:

معـان مـن أحبتنـا معـانُ

 

تجيب الصاهلات به القيانُ

وقفـتُ به لصون الـوُدِّ حتى


 

أَذَلْتُ دموعَ جَفْنٍ ما تصـان

ولاحت من بروج البدر بُعداً

 

بـدورُ مهـا تَبرُّجها اكتنـا

فلـو سمحَ الزمان بها لضنّت

 

ولو سمحَتْ لضنَّ بها الزمان

رزقْـنَ تمكّنـاً مـن كلِّ قلبٍ

 

فليس لغيرهـن به مكـان([3])

وأنثى المجتمع تأخذ عند المعري صوراً مختلفة، فهي الفتاة الكاعب، أو الخود، أو هي من البيض الأوانس، وهي الثيّب. لكن صورة الأم في شعره، ومكانتها في قلبه وضميره لا تضاهيها صورة أخرى، لا تعبيراً، ولا صدق إحساس أو عاطفة، خصوصاً تلك التي كانت أمه، والتي رثاها أجمل رثاء:

وأمَّتني إلى الأجـداث أمٌّ

 

يعزُّ عليَّ أنْ سارت أمامي

وأكبرُ أن يرثيها لسـاني

 

بلفـظٍ سـالك طرقَ الطعام

وأبو العلاء، وإن عرض لنا صورة الجمال الأنثوي التقليدي الشائع، لا يلبث أن يحدد صورة المرأة المثال عنده، فينحو منحى الجمال الداخلي أكثر مما يهتم بالشكل الخارجي، ليذكيّ العفة والتقى كسمتين جماليتين لمن يراها الأفضل والأجمل بين النساء:

وقد ضفرتْ فَرْعا، كريمةُ معشر

 

فما حلَّ إلاّ الغاسلاتُ له ضفرا

دنـا نيُرهـا مـن كفهـا لتعـبدٍ

 

وألقـت دنانيراً براحتها صُفرا

إذا هجـرت زيرين زيرَ أوانـسٍ

 

وزيرَ غناء، فهي راجية غَفْرا([4])

وجمال الخلق مقياس أصيل لدى المعري، والمرأة المفضلة عنده تلك الحامية نفسها من العار. وسنرى في نهاية المطاف قيمة هذا الجمال في فلسفة الشاعر وفي نظرته إلى المرأة والرجل على حد سواء، ولاسيما إذ أضيفت إلى الصفات السابقة العفة ولجم النفس عن إطاعة الهوى، عند ذلك تصل القيمة إلى الأوج.

حتى الآن، تبدو صورة الأنثى في المجتمع إيجابية، وهي تنفي بدلالاتها السابقة الرأي الشائع عن المعري بأنه عدو المرأة. وإذا تكرر وجود هذا النوع من الأبيات في سقط الزند، ديوانه الأول الذي يمثل المرحلة المتقدمة من تجربته الشعرية، فإن تكراره سيكون نادراً في لزومياته، إذا ما قورن بالوجه الآخر العدائي الذي يناقض موقفه السابق. فلماذا هذا العداء السافر، في مرحلة متأخرة زمناً وفناً وثقافة؟

الباحث عن أنثى المجتمع في شعر المعري، وفي لزومياته تحديداً، يلحظ حرص الشاعر على الربط بين هذه الأنثى، التي هي المرأة، وبين الدنيا، بعلاقة البغض والكره. وبينها وبين الأفعى بعلاقات الغواية والغدر والضلال. وما علاقة المعري بالمرأة إلاّ وجه سافر من وجوه علاقته بالدنيا، بل هو الوجه الأكثر إشارة إلى تلك العلاقة السلبية بين الطرفين. حتى إننا نستطيع الزعم أن المرأة ـ أنثى المجتمع ـ هي المعادل الموضوعي لعواطف البغض والنفور عند المعري تجاه الدنيا ـ الأنثى ـ وحين يتحدث الشاعر عن الدنيا ويجعلها أنثى يكون ذلك إما لتأنيث اسمها فيجريها مجرى المؤنث الحقيقي، وإما أن يشير إليها مجازاً بصفة من صفاتها. ويتسع الحقل الدلالي في هذا المجال ليشير إلى: أم دفر([5]) والأم المسيئة([6]) وشر والدة([7]) وأخت الهجر([8]) والطامث التي لا يستقيم نكاحها([9]) والغانية التي يجب أن نلقاها بالزهد([10]) والغوّية([11]) والكعاب التي تؤدي إلى الهلاك([12])، وهي البغي والمومس([13]) والمسيئة لأولادها([14]) وكلها قذى([15]) وكالنار التي تحرق ما يلامسها([16]) والهلوك([17]) والأشبه بالغول([18]).

وتتوضح العلاقة المتزايدة في سلبيتها بين المعري وأنثى المجتمع حين يربط بينها وبين الأفعى أو الحيّة بعلاقة الغدر والغواية والضلال.

عروسـك أفعى فهب قربهـا

 

وخَفْ من سليلكَ، فهو الحَنَش([19])

وفي أحيان أخرى يربط بين المرأة والدنيا والأفعى في علاقة ثلاثية لا تختلف في مضمونها عن سابقتها:

إنَّ دنيـاك مـن نهار وليـل

 

وهي، في ذاك، حيّة عرماء([20])

فالعروس (الأنثى) أفعى، ومولودها حنش، والدنيا حيّة عرماء، والعلاقة بين هذه الأطراف هي الغواية والإغراء والدعوة إلى اقتراف الخطيئة بعصيان الخالق([21])، هذه الخطيئة التي كانت وراء الشقاء والبؤس الذي لحق بنسل آدم وحواء حتى الممات، وهذا ما قصد إليه المعري بقوله: إن حواء أعطت بنتها البؤس وأورثت ابنها الشقاء:

فنحـن كأيّمِ الضال أوْلى مِراسَـهُ

 

بما كان يغوي الآخر، المتقدم

وحواء أعطت بنتها البؤس، وابنها

 

لآدم، يُغـذى بالشـقاء ويؤدم([22])

فإذا كان البؤس والشقاء إرث نسل حواء، فطبيعي أن يكون في انقطاع هذا النسل ما ينهي العذاب والشقاء الذي لحق به من جراء الخطيئة. وتبقى حواء بالنسبة للمعري مركز الغواية لأنها غويت وأغوت، وتبقى تحت وابل من غضب المعري، ويبقى نسلها ابن لئيمة:

فلا تعذُلينا، كلنا ابن لئيمـة

 

وهل تَعْذُبُ الأثمار إن لؤمَ الغَرْس؟([23])

ولا نبتعد عن الحقل الدلالي نفسه حين يقرن المعري بين الأنثى والنفس في علاقة واحدة سبق أن قرن بها بين الأنثى والأفعى وهي الغواية، وبوسيط مباشر هذه المرة هو إبليس:

لا تَفرَق النفسُ من حتف يحلّ بها

 

فالنفس أنثى، لها بالموت إعراس([24])

ويقول في مكان آخر:

إن كان إبليس ذا جند يصول بهم

 

فالنفـس أكبر من يدعوه إبليس([25])

والعلاقة بين هذه الأطراف نراها كما يأتي:

الأنثى + الدنيا     بغض ونفور

الأنثى + الأفعى    غواية وضلال

الأنثى + النفس    غواية وضلال

الأنثى + الرجل    بنو حواء شقاء وبؤس

وهكذا تبدو المرأة، أنثى المجتمع، المحور الذي يؤسس لوجود مليء بالشقاء، وغير آمن لسلالة معذبة وشقية. وعلّة ذلك كله، وفق رأي المعري، الضعف الأنثوي أمام إغراء الأفعى التي كانت ظلاً لإبليس، فحملّت نسلها وزر ذلك الضعف والانصياع لأوامره بؤساً وشقاء، وإن كان الرجل لا يبتعد تماماً عن ساحة الاتهام، حين يضمّه المعري إلى حلقة الغواية والضعف وعصيان الخالق لتكتمل الجريمة بمشاركته:

أيا سـارحاً في الجو دنياك معدنٌ

 

يفور بشرٍّ، فابْغِ في غيرها وَكْرَا

فإن أنت لم تملك وشيكَ فراقِهـا

 

فعِفَّ ولا تنكِحْ عـواناً ولا بِكرا

وألقـاك فيها والداك فلا تَضـعْ

 

بها ولـداً، يلقى الشدائدَ والنُّكرا([26])

وقد نتساءل، ونحن نجول في أفكار المعري وآرائه حول الزواج والنسل. تُرى ألم يحلم هذا الشاعر بأن يكون في يوم، ذلك الرجل الذي يكتنف قلبه حب امرأة وطفل يملآن عليه فراغ الحياة وقسوتها، ويبعدان عنه شبح العزلة والوحدة وألمهما؟

شعر المعري الذي يشير إلى هذا النوع من الحياة المألوفة لدى عامة البشر هو نادر، بل يقتصر على أبيات بعينها تحمل للقارئ صورة غير مألوفة عنه، صورة تحمل في طياتها حسرة وحزناً عميقاً واضحاً. يقول المعري:

بنتُ عن الدنيا، ولا بنتَ لي

 

فيها، ولا عرس ولا أُخْتُ

وقـد تحملت من الوزر ما

 

تعجـز أن تحمِلهُ البُخْتُ([27])

وبالوتيرة نفسها من الحزن يقول في بيتين آخرين:

إذا لم يكـن خلفي كبيرٌ يُضيعُهُ

 

حِمامي، ولا طِفْلٌ، ففيمَ حياتي

وما العيشُ إلاّ علّةٌ برؤها الرّدى

 

فخلّي سبيلي انصرفْ لِطيِاتي([28])

ربما هي لحظات ضعف سرت في كيان الشاعر فغمرته وقادته إلى هذا الشعور، لكنها، في الأحوال كلها، لا تمثّل ثقلاً واضحاً في تكوينه الفكري والروحي اللذين جاءا نتيجة لعوامل متعددة أثرت عنده الاتجاه الزهدي النسكي الذي برز كفلسفة اعتقد وآمن بها، وطبقها فعلاً في حياته. لقد تحمل المعري مرغماً ثقل الحياة رغم ادعائه باختيار نوعية هذه الحياة، وكان رأيه قاطعاً في رفض الزواج والولادة والنسل عموماً، وإن بدا في بعض الأحيان غير متطرف في وجهة نظره:

نصحتك لا تَنْكِح، فإن خفتَ مأثماً

 

فاَعرِسْ ولا تنسـل فذلك أحزَم([29])

لكنه لا يلبث، في مكان آخر، أن ينصح بالابتعاد عن اقتراف هذا الاثم، الذي هو إنتاج النسل:

وقد ضفرتْ فَرْعا، كريمةُ معشر

 

فما حلَّ إلاّ الغاسلاتُ له ضفرا

دع النسل! إن النسل عقباه ميتةٌ

 

ويُهجَرُ طيبُ الراح، خوفاً من السكر([30])

وبما أن المرأة تمثل مركز الثقل في النسل، فكذلك تمثل مركز الثقل بالنسبة لسهام المعري. ودعاؤه بالعقم عليها ليس إلا انعكاساً لموقفه من الزواج والنسل، ومنها تحديداً:

كـم تنصح الدنيا ولا نَقْبَـلُ

 

وفائــز مَـنْ جَـدُّهُ مقبِـلُ

إنّ أذاهــا مثـلُ أفعاِلنـا

 

ماضٍ، وفي الحال، ومُستقبلُ

فليـت حـواء عقيـم غدتْ

 

لا تلـدُ النـاس، ولا تَحبَـل

وليــت شـيثاً، وأبانا الذي

 

جـاء بنـا، أهبَلَـه المُهبل([31])

والعاقر والعقيم من النساء هي خيرهن وهي المرغوبة عند الشاعر، على خلاف الرأي العام:

إذا شئت يوماً وُصلةً بقرينَةٍ

 

فخيرُ نساء العالمين عقيمُها([32])

وفلسفة المعري في هذا المضمار، تشير إلى دنس النسل البشري وتلوثه لأنه نتاج الخطيئة. وحواء ـ الأنثى ـ تتحمل ـ برأيه ـ وزر هذا الدنس البشري مرتين، مرة، لأنها انصاعت لإغواء إبليس فعصت وضّلت الطريق، ومرة، لأنها دفعت شريكها، آدم، الذي لم يكن يملك عزم رفض الإغراء، إلى الخطيئة أيضاً، وبنو حواء إذن، هم خطاة بالوراثة، وهذه الخطيئة، لا تجرّ عليهم سوى الدنس الذي بدوره، لا ينتج سوى الشقاء والعذاب في الحياة الدنيا. وإذا كان المعري ذا رأي قاطع في رفضه التناسل والولادة، فبديهي أن يذهب إلى أن القضاء على عذاب البشرية وشقائها لا يكون إلاّ بإيقاف مسلسل الولادة نفسه طالما أنه لا ينتج سوى اللئام والأشقياء:

فـلا تعذلينا كلنـا ابنُ لئيمةٍ

 

وهل تَعْذُبُ الأثمارُ إن لَؤُمَ الغرس([33])

نستطيع أن نفهم علاقة المعري السلبية بالدنيا، ومن ثم بالمرأة، على ضوء علاقة الشاعر الفيلسوف بالوجود نفسه. فإذا كان «الطابع الأساسي للوجود الإنساني هو الهم: فالوجود الإنساني مهموم بتحقيق إمكانياته في الوجود» ([34]) وإذا كان مصدر العذاب هو هذا الشعور أو الوعي الذي ينتاب الإنسان في بعض اللحظات من حياته «تلك التي يخلد فيها إلى نفسه، ويفكر في قيمة ما يعمل، ثم يكتشف الحقيقة الأليمة أن كل ما في الوجود عبث»([35]). استطعنا أن نتفهم عبثية الحياة وعبثية الوجود الإنساني بالنسبة للمعري الشاعر والفيلسوف والمفكر، المرهف الفاقد البصر. فالقدر بالمرصاد للإنسان، والموت بانتظاره في أي وقت شاء. والإنسان يشقى، وشقاؤه في غير جدوى وفق ذلك المفهوم، ثم إنه يجهد نفسه وجهده ضائع، وكأنه يعمل ليقتات أو يقتات ليعمل وهكذا حتى الموت. هذه النهاية اللامعقولة لكل موجود، حتى لكأن الحياة هي نوع من الإعداد للموت.

وهذه حقيقة مؤلمة تجتاح كيان المعري كلما خلا إلى نفسه، وتحسس أوجاعه الجسدية والنفسية، فكانت مصدراً رئيساً من مصادر شعوره بالعذاب والضنى في هذه الحياة الفانية.

وكيفما قلبنا صفحات اللزوميات، يطالعنا المعري الثائر على عالمه المشحون بالحقد، المليء بالمظالم، فيثور على الحكام، على رجال الدين، على الرجل والمرأة، على حد سواء، على الدنيا إذ لا خير فيها ولا خير في أهليها:

من ادّعى الخير من قوم، فهم كُذُبُ

 

لا خيـرَ، في هـذه الدنيـا، ولا خِيَرُ

وسـيرة الدهـر ما تنفـكُّ معجِبَةً

 

كالبحر، تغرق في ضحضاحها السّيَرُ

نمتـارُ من أمنا الغبراء، حَاجتـنا

 

وللبســيطة، من أجســادنا مِيَـرُ

كـم غيـرتنا بأمـرٍ خُطّ حادثُـهُ

 

وربُّنـا اللهُ لم تُلْمـِمْ بــه الغِـيَرُ([36])

ثم إن وجودنا في هذه الدنيا محكوم عليه بالفناء والموت:

ودنيـانا التي عُشِـقَتْ، وأشـقتْ

 

كـذاك العِشُـق، معـروفاً، شـقاءُ

ســألناها البقـاء، على أذاهـا

 

فقالـت: عنكــمُ حُظِــرَ البقاء([37])

المحور الثاني:

على خلاف ما سبق، يلاحظ الدارس المتتبع لشعر المعري، أن صورة أنثى المجتمع تقابلها صورة أنثى الطبيعة، من حيث هي جديرة بالتعاطف، وموصولة بالمشاعر الإيجابية الحارة. وفي حين يدعو المعري على أنثى المجتمع بالعقم، وينصح الرجل بالابتعاد عن الزواج لئلا يكون سبباً في تجدد الولادة، ثم تجديد الشرور البشرية وآلامها، نرى الصورة النقيض في أنثى الطبيعة الممثلة بالحمام أو النحل أو الخيل أو النوق، على سبيل المثال. فنراه يدعو للحفاظ على نسلها، وبعدم تعرض الجنس البشري لإيذائها. بل يؤنب الإنسان الذي، من ضمن شروره، إيذاء أنثى الطبيعة والتعرض لصغارها بالصيد والقتل، وهي البعيدة عن التسبب في أذى المجتمع،لأن الأذى بحد ذاته ليس من طبيعتها بقدر ما هو من طبع بني حواء.

وإذا ما اقترن الإيذاء والظلم ببني حواء، فإنَّ الحقل الدلالي لأنثى الطبيعة عند المعري، ولتكن الحمامة على سبيل المثال، لا يضم في ساحته سوى: الإسعاد والعزاء، حفظ الوداد، التغريد والغناء، الشجو والندب، النوح والبكاء، السكينة والاستسلام. لذلك هي أبعد ما تكون عن الإيذاء، وأقرب ما تكون طوالب رزق لا تأتي بالعظيم من الأمور، ولهذا الأمر يدعو المعري إلى عدم التعرض لها بالأذى:

دع الطـير فَوْضَى، إنمـا هي كلُّها

 

طوالـب رزق لا تجيء بمُفْظِعِ

كَعُصْبَةِ زنجٍ راعها الشيب فازدهتْ

 

مناقيشَ في داجي الشبيبةِ أَفْرَعُ ([38])

وإذا ما خاطب الحمام، فخطابه يقطر حنيناً وحناناً إلى بنات الهديل، وكأنها الأقرب إلى صحبته وإلى قلبه:

أعِكـرمَ ! إن غنيـت ألفيت نادباً

 

فـلا تتغنّي في الأصائـل عكرمـا

بنظـم شـجا في الجاهلية أهلَهـا

 

وراقَ مع البعث الحنيف المخضرما

لكِ النصح مني، لا أُغاديكِ خاتلاً

 

بمكـرٍ، ولكني أُغاديـك مُكـرِمـا

إذا ما حذِرْتِ الصقّرَ يوماً فحاذري

 

أخا الأنـس أياماً، وإن كان مُحرِمـا

يصوغ لكِ الغاوي، قـلادةَ هالكٍ

 

من الدمّ، تخبي  وجـدَك المُتضـرّما

وكم سـحتت كفّاه مثلك في ضُحا

 

شـبيبتها، إذ لم تـرَ الدهـر مُهرما

وراعَ، بفهـرٍ من جناحـك آمنـا

 

فظّـلَ على الريش النهوض محرَّما

فـزوري وبار القفر من كلّ وابرٍ

 

وإلاّ فرومي خلـف ذلك مخـرِمَا([39])

والمعري، في إبرازه هذه الدلالات لأنثى الطبيعة وأفراخها يريد أن يؤكد على صفات معروفة ومألوفة لدى الحمام، لكنها مفتقدة – حسب رأيه- في أنثى المجتمع وبنيها، حيث سبق  أن رأينا كيف نعتها ونسْلَها بأنها مصدر ظلم وأذى وشرّ، وذلك من قبل إجراء مقارنة ضدية بين الطرفين، تبرز تعاطفه وانجذابه إلى الطرف الأول، وبغضه ونفوره من الطرف الثاني، هذا التعاطف الذي يدفعه إلى تحذير الحمام وتنبيهه من يد الإنسان العابثة والظالمة:

قـل للحمامة قد أصبحت شـاديةً

 

فهجتِ للذاكرِ المحزونِ تشويقا

كسـاك ربـك ريشـاً تدفعين به

 

قـرَّ الشتاءِ وحلّى الجيد تطويقا

فهل تراعينَ من بازٍ على شرَفٍ

 

يُهدي إليك، عن الفرخين تعويقا

أمـا ترينَ قسيَّ الدهـرِ وتّرَهـا

 

رامٍ مصيبٌ، أعـارَ النبل تفويقا

يُُغنيـكِ وكركِ عـن بيتٍ يزيّنُهُ

 

غاوٍ، من القومِ، إذهاباًَ وتزويقا ([40])

والمعري إذ يقف إلى جانب أنثى الحيوان ونسلها، فإن أخلاقه المستمدة من فلسفته في الحياة تمنعه من إيذائها عن طريق الصيد أو القتل بغية جعلها قوته:

لا أفجـع الأمَّ بالرضيـع، ولا

 

أشـرَكُ هذا الفريـر في اللّبن

أقتـات من طيب النّبات، وهل

 

يسـلَمُ عـودُ الفتى مـن الأُبَن

شجعَّ قلبي على الرّدى رَشَدي

 

والنفـس مجبـولةٌ على الجبن([41])

بل يذهب المعري إلى أبعد من ذلك، حين يدعو الإنسان إلى الإيمان بهذه الفلسفة ومشاركته معتقده، والابتعاد عن التعرض للحيوان بالأذى أو الاعتداء، دعوة تأخذ طابع الوصايا المتصدرة بلا الناهية:

غدوتَ مريض العقل والدين فالقنَي

 

لتسـمع أنباء الأمـور الصّحائح

فـلا تأكُلَنْ ما أخرج الماءُ ظالمـاً

 

ولا تبـغ قوتاً من غريض الذبائح

وأبيـضَ أمّات أرادت صريحــه

 

لأطفالها، دون الغواني الصّـرائح

ولا تفجَعَـنّ الطيـرَ، وهي غوافلٌ

 

بما وضعـت، فالظـلم شرّ القبائح

ودع ضرَب النّحل، الذي بكرت له

 

كواسـبَ من أزهـارِ نبـتٍ فوائح

فمـا أحرزته كي يكـون لغيـرها

 

ولا جمعتــه للنــدى والمنائـح

مسـحتُ يدي من كـل هذا، فليتني

 

أبَهْتُ لشـأني، قبـل شيب المسائح([42])

وحين يعلن المعري موقفه صراحة إلى جانب الحيوان وأنثاه، متعاطفاً ومتضامناً، نراه يفعل ذلك عن وعي وعن اقتناع بصواب موقفه، وهاهو ـ مرة أخرى، يعلل ويبرر هذا الموقف من خلال المقارنة بين الإنسان والحيوان وأفعالهما:

أرى حيـوان الأرض، غيرَ أنيسِها

 

إذا اقتات لم يفرح بظُلمٍ ولا جَدا

أتعلـم أُسْـدَ الغيـل، بعد افتراسها

 

تحاول دراً، أو تحاول عسجدا؟

ومـا اتّخذ الأبـرادَ سِرحان قِفـرة

 

ولا شـبَّ ناراً أين غار وأنجدا

وأضعـف من تلقـاه مـن آلِ آدمٍ

 

إذا ما شتا، يبغي وقودا وبُرْجُدا ([43])

صورة أخرى لأنثى الطبيعة، الأرض، التي برزت للمعري بأكثر من وجه. فهي دنس غير قابل للطهارة عندما تكون حاضنة للبشر، ومرتبطة بأنثى المجتمع، وهي هنا أرض الوجود الاجتماعي، المقرونة بالنقص والصراع:

هل يغسل الناس عن وجه الثرى مطرٌ

 

فما بقُوا لم يبارح، وجهـه، دَنَسُ

والأرض ليـس بمـرجـوٍّ طهارتها

 

إلاّ إذا زال عــن آفاقها الأنَسُ

تناسـَلوا، فنمى شــرٌّ بنســـلِهِمُ

 

وكم فجــورٍ، إذا شبّانهم عنَسوا

أزكى مـن العِيْن، في آنافِها شَــمَمٌ

 

عِينٌ من الوحش، في آنافِها خَنَسُ

وما الظّبـاءُ، عليها الحليُ، مُحـسنةً

 

بل الظباء لها، بين الغضا، كُنُسُ

احتجَّ، في الغيّ بالنّـسيان، والدُهُمْ

 

وقد غُوُوا بادّكار، لا أَقولُ نَسوا([44])

لكنها تتحول إلى أرض أخرى طيبة ومعطاء عندما تكون مسرحاً للربيع وفعله، وتنتمي إلى عالم الطهارة والجمال:

قـد أتاك الربيـعُ يفعـل ماتأ

 

مُـرُهُ فِعْـلَ عبْدِكَ المـأمور

وكسا الأرض خدمة لك يا مو

 

لاهُ دونَ الملوكِ خُضْرَ الحرير

فهي تختال في زبرجَدَةٍ  خَضْـ

 

ـراءَ تُغْـذَى بلؤلـؤٍ منثـور

وغدتْ كلُ ربوةٍ تشتهي الرَّقـ

 

ـصَ بثوبٍ من النبات قَصير([45])

المحور الثالث:

التأنيث المعنوي أو الأنوثة المجردة، هي أنثى تنتمي إلى عالم المعنى، والمعري المتفلسف يتبدى عمقه الفكري المتبصر في هذا المجال، من حيث هو قرين النظرة الفلسفية والتمحيص العقلي، ولذلك كان احتفاله بما ينتمي إلى عالم المعنى يبدو مشعاً بصورة خاصة في نسيجه الشعري.

وقد نجد تفسيراً أولياً لذلك بأن الأنوثة المجردة أو المعنوية لا تَعِدُ بشيء من تكثير الحياة الاجتماعية وبما تحفل به هذه الحياة من ألوان الصراع والشرور، أو بما يمكن أن تنتهي إليه من تدمير المعنى. لذلك كانت الأنوثة المجردة تتوضح في مقابل سابقتها، من حيث هي مجال الامتلاء المعنوي وتوسيع حدود البصيرة، والتغني بخصائصها وميزاتها. وحضورها المشرق لا يترتب عليه إنتاج الوجود المادي الصائر إلى العدم ومظاهر الإثم. ووصف الليلة من قبل المعري، يدخل ضمن هذا المجال الذي يضفي عليه الشاعر الحضور المشرق: