|
||||||
| Updated: الاحد, حزيران 01, 2008 12:32 م | ||||||
| فهرس العدد |
|
الأنثى ودلالاتها الرمزية في شعري المعري ـــ د.فوزية زوباري(1) تعدّ رمزية الأنثى في تراث الشعر العربي والعالمي، أحد أخصب الرموز المتشكلة في تاريخ الثقافة البشرية، بالنظر للمكانة والدور والقيمة التي تنطوي عليها، وتضفيها على الوجود. وليس هناك من حاجة لإعادة اختبار الكلام في هذا الموضوع، بدءاً من تراثنا الشعري القديم. فحضور الأنثى فيه، لا يكاد يدانيه حضور آخر. وهذا جانب موفور في الشعر الجاهلي الذي يقطن فيه الرمز المؤنث بدلالات وجودية وكونية ونفسية، فلا يكاد يُذكر هذا الموضوع، حتى نتصور هذه التجارب المتسلسلة في تاريخنا القديم، من تاريخ الصعلكة، إلى التجربة العذرية، ومن بعدها التجربة الصوفية، التي فتحت التأنيث على العّلو والإطلاق، وأضفت عليه قداسة ينفرد بها عن سائر الرموز الأخرى. وإذا كان المعري يشكل حلقة مهمة في هذه السلسلة الممتدة في أدبنا العربي، فحرّي بنا أن نتبين وجوه نظرته إلى الرمز المؤنث، وإلى كيفية توظيفه له في السياقات المختلفة في شعره، تلك التي تتمايز بين مراحله الذاتية التي تدرَّج فيها وتنقَّل بينها. وكذلك في أطوار حياته الفكرية التي تناوبت بين الشك واليقين، والجدوى والعبث. فكيف يمكن أن نستشف الخصائص والعلامات الكبرى التي استحضر فيها الرمز المؤنث، أو أسبغه عليها. سنحاول، تسهيلاً لأغراض البحث، أن نتأمل، أولاً، حضور الأنثى رمزياً في شعره بين محاور ثلاثة هي: أولاً: الأنثى في المجتمع. ثانياً: الأنثى في الطبيعة. ثالثاً: الأنوثة المجردة. ومن ثمّ سنتبّين من خلال ذلك، المحاور الدلالية الكبرى التي انقسم بينها الرمز المؤنث في شعره. وأن نستكشف أيضاً الحصيلة النهائية التي يمكن أن نخلص إليها من عطف هذه الأطراف بعضها على بعض، وأن نتساءل عن علاقة ذلك كله بفكر المعري وفنه وفلسفته. المحور الأول: الأنثى في المجتمع. يقول أبو العلاء المعري في محبوبته التي طرقته في النوم:
هكذا تبدو لوحة المرأة لدى المعري، لوحة تنطق بالجمال والحب بكل أطيافهما، ونظرته، بل وعواطفه نحو المرأة – في هذا السياق – لا تختلف عن غيره من الشعراء الذين رأوا في جمالها باعثاً للتغني به، وإغداق الأوصاف عليه جملة وتفصيلاً. وساحة الحقل الدلالي ضمن هذا الإطار غنّية بدلالات تشير إلى النساء اللاتي هن بنظره: شموس، يلقين دراً، أوانس بالفريد مقلدات، وقدودهن مهندات، وخدودهن بالشباب موردات. وتحدث عن درّة الخدر، والقمر، والبيضاء ريّا الصيف، وعن خمر الرضاب، والبيض، والمسك المفتوت، وعقيق الدمع، والجُمان، ......الخ وصورة المرأة تلك يراها ويحسّها ببصيرته، فيرتد بصره حسيراً.
وتدخل المقدمات الغزلية لقصائده المدحية ضمن هذا الباب، لتضيف إلى الحقل الدلالي الأنثوي رصيداً آخر من الدلالات التي تصبّ في خانة الإعجاب والرضى والقبول، فتعمق من دور الجمال في حّيز الرؤية المعرية:
وأنثى المجتمع تأخذ عند المعري صوراً مختلفة، فهي الفتاة الكاعب، أو الخود، أو هي من البيض الأوانس، وهي الثيّب. لكن صورة الأم في شعره، ومكانتها في قلبه وضميره لا تضاهيها صورة أخرى، لا تعبيراً، ولا صدق إحساس أو عاطفة، خصوصاً تلك التي كانت أمه، والتي رثاها أجمل رثاء:
وأبو العلاء، وإن عرض لنا صورة الجمال الأنثوي التقليدي الشائع، لا يلبث أن يحدد صورة المرأة المثال عنده، فينحو منحى الجمال الداخلي أكثر مما يهتم بالشكل الخارجي، ليذكيّ العفة والتقى كسمتين جماليتين لمن يراها الأفضل والأجمل بين النساء:
وجمال الخلق مقياس أصيل لدى المعري، والمرأة المفضلة عنده تلك الحامية نفسها من العار. وسنرى في نهاية المطاف قيمة هذا الجمال في فلسفة الشاعر وفي نظرته إلى المرأة والرجل على حد سواء، ولاسيما إذ أضيفت إلى الصفات السابقة العفة ولجم النفس عن إطاعة الهوى، عند ذلك تصل القيمة إلى الأوج. حتى الآن، تبدو صورة الأنثى في المجتمع إيجابية، وهي تنفي بدلالاتها السابقة الرأي الشائع عن المعري بأنه عدو المرأة. وإذا تكرر وجود هذا النوع من الأبيات في سقط الزند، ديوانه الأول الذي يمثل المرحلة المتقدمة من تجربته الشعرية، فإن تكراره سيكون نادراً في لزومياته، إذا ما قورن بالوجه الآخر العدائي الذي يناقض موقفه السابق. فلماذا هذا العداء السافر، في مرحلة متأخرة زمناً وفناً وثقافة؟ الباحث عن أنثى المجتمع في شعر المعري، وفي لزومياته تحديداً، يلحظ حرص الشاعر على الربط بين هذه الأنثى، التي هي المرأة، وبين الدنيا، بعلاقة البغض والكره. وبينها وبين الأفعى بعلاقات الغواية والغدر والضلال. وما علاقة المعري بالمرأة إلاّ وجه سافر من وجوه علاقته بالدنيا، بل هو الوجه الأكثر إشارة إلى تلك العلاقة السلبية بين الطرفين. حتى إننا نستطيع الزعم أن المرأة ـ أنثى المجتمع ـ هي المعادل الموضوعي لعواطف البغض والنفور عند المعري تجاه الدنيا ـ الأنثى ـ وحين يتحدث الشاعر عن الدنيا ويجعلها أنثى يكون ذلك إما لتأنيث اسمها فيجريها مجرى المؤنث الحقيقي، وإما أن يشير إليها مجازاً بصفة من صفاتها. ويتسع الحقل الدلالي في هذا المجال ليشير إلى: أم دفر([5]) والأم المسيئة([6]) وشر والدة([7]) وأخت الهجر([8]) والطامث التي لا يستقيم نكاحها([9]) والغانية التي يجب أن نلقاها بالزهد([10]) والغوّية([11]) والكعاب التي تؤدي إلى الهلاك([12])، وهي البغي والمومس([13]) والمسيئة لأولادها([14]) وكلها قذى([15]) وكالنار التي تحرق ما يلامسها([16]) والهلوك([17]) والأشبه بالغول([18]). وتتوضح العلاقة المتزايدة في سلبيتها بين المعري وأنثى المجتمع حين يربط بينها وبين الأفعى أو الحيّة بعلاقة الغدر والغواية والضلال.
وفي أحيان أخرى يربط بين المرأة والدنيا والأفعى في علاقة ثلاثية لا تختلف في مضمونها عن سابقتها:
فالعروس (الأنثى) أفعى، ومولودها حنش، والدنيا حيّة عرماء، والعلاقة بين هذه الأطراف هي الغواية والإغراء والدعوة إلى اقتراف الخطيئة بعصيان الخالق([21])، هذه الخطيئة التي كانت وراء الشقاء والبؤس الذي لحق بنسل آدم وحواء حتى الممات، وهذا ما قصد إليه المعري بقوله: إن حواء أعطت بنتها البؤس وأورثت ابنها الشقاء:
فإذا كان البؤس والشقاء إرث نسل حواء، فطبيعي أن يكون في انقطاع هذا النسل ما ينهي العذاب والشقاء الذي لحق به من جراء الخطيئة. وتبقى حواء بالنسبة للمعري مركز الغواية لأنها غويت وأغوت، وتبقى تحت وابل من غضب المعري، ويبقى نسلها ابن لئيمة:
ولا نبتعد عن الحقل الدلالي نفسه حين يقرن المعري بين الأنثى والنفس في علاقة واحدة سبق أن قرن بها بين الأنثى والأفعى وهي الغواية، وبوسيط مباشر هذه المرة هو إبليس:
ويقول في مكان آخر:
والعلاقة بين هذه الأطراف نراها كما يأتي: الأنثى + الدنيا بغض ونفور الأنثى + الأفعى غواية وضلال الأنثى + النفس غواية وضلال الأنثى + الرجل بنو حواء شقاء وبؤس وهكذا تبدو المرأة، أنثى المجتمع، المحور الذي يؤسس لوجود مليء بالشقاء، وغير آمن لسلالة معذبة وشقية. وعلّة ذلك كله، وفق رأي المعري، الضعف الأنثوي أمام إغراء الأفعى التي كانت ظلاً لإبليس، فحملّت نسلها وزر ذلك الضعف والانصياع لأوامره بؤساً وشقاء، وإن كان الرجل لا يبتعد تماماً عن ساحة الاتهام، حين يضمّه المعري إلى حلقة الغواية والضعف وعصيان الخالق لتكتمل الجريمة بمشاركته:
وقد نتساءل، ونحن نجول في أفكار المعري وآرائه حول الزواج والنسل. تُرى ألم يحلم هذا الشاعر بأن يكون في يوم، ذلك الرجل الذي يكتنف قلبه حب امرأة وطفل يملآن عليه فراغ الحياة وقسوتها، ويبعدان عنه شبح العزلة والوحدة وألمهما؟ شعر المعري الذي يشير إلى هذا النوع من الحياة المألوفة لدى عامة البشر هو نادر، بل يقتصر على أبيات بعينها تحمل للقارئ صورة غير مألوفة عنه، صورة تحمل في طياتها حسرة وحزناً عميقاً واضحاً. يقول المعري:
وبالوتيرة نفسها من الحزن يقول في بيتين آخرين:
ربما هي لحظات ضعف سرت في كيان الشاعر فغمرته وقادته إلى هذا الشعور، لكنها، في الأحوال كلها، لا تمثّل ثقلاً واضحاً في تكوينه الفكري والروحي اللذين جاءا نتيجة لعوامل متعددة أثرت عنده الاتجاه الزهدي النسكي الذي برز كفلسفة اعتقد وآمن بها، وطبقها فعلاً في حياته. لقد تحمل المعري مرغماً ثقل الحياة رغم ادعائه باختيار نوعية هذه الحياة، وكان رأيه قاطعاً في رفض الزواج والولادة والنسل عموماً، وإن بدا في بعض الأحيان غير متطرف في وجهة نظره:
لكنه لا يلبث، في مكان آخر، أن ينصح بالابتعاد عن اقتراف هذا الاثم، الذي هو إنتاج النسل:
وبما أن المرأة تمثل مركز الثقل في النسل، فكذلك تمثل مركز الثقل بالنسبة لسهام المعري. ودعاؤه بالعقم عليها ليس إلا انعكاساً لموقفه من الزواج والنسل، ومنها تحديداً:
والعاقر والعقيم من النساء هي خيرهن وهي المرغوبة عند الشاعر، على خلاف الرأي العام:
وفلسفة المعري في هذا المضمار، تشير إلى دنس النسل البشري وتلوثه لأنه نتاج الخطيئة. وحواء ـ الأنثى ـ تتحمل ـ برأيه ـ وزر هذا الدنس البشري مرتين، مرة، لأنها انصاعت لإغواء إبليس فعصت وضّلت الطريق، ومرة، لأنها دفعت شريكها، آدم، الذي لم يكن يملك عزم رفض الإغراء، إلى الخطيئة أيضاً، وبنو حواء إذن، هم خطاة بالوراثة، وهذه الخطيئة، لا تجرّ عليهم سوى الدنس الذي بدوره، لا ينتج سوى الشقاء والعذاب في الحياة الدنيا. وإذا كان المعري ذا رأي قاطع في رفضه التناسل والولادة، فبديهي أن يذهب إلى أن القضاء على عذاب البشرية وشقائها لا يكون إلاّ بإيقاف مسلسل الولادة نفسه طالما أنه لا ينتج سوى اللئام والأشقياء:
نستطيع أن نفهم علاقة المعري السلبية بالدنيا، ومن ثم بالمرأة، على ضوء علاقة الشاعر الفيلسوف بالوجود نفسه. فإذا كان «الطابع الأساسي للوجود الإنساني هو الهم: فالوجود الإنساني مهموم بتحقيق إمكانياته في الوجود» ([34]) وإذا كان مصدر العذاب هو هذا الشعور أو الوعي الذي ينتاب الإنسان في بعض اللحظات من حياته «تلك التي يخلد فيها إلى نفسه، ويفكر في قيمة ما يعمل، ثم يكتشف الحقيقة الأليمة أن كل ما في الوجود عبث»([35]). استطعنا أن نتفهم عبثية الحياة وعبثية الوجود الإنساني بالنسبة للمعري الشاعر والفيلسوف والمفكر، المرهف الفاقد البصر. فالقدر بالمرصاد للإنسان، والموت بانتظاره في أي وقت شاء. والإنسان يشقى، وشقاؤه في غير جدوى وفق ذلك المفهوم، ثم إنه يجهد نفسه وجهده ضائع، وكأنه يعمل ليقتات أو يقتات ليعمل وهكذا حتى الموت. هذه النهاية اللامعقولة لكل موجود، حتى لكأن الحياة هي نوع من الإعداد للموت. وهذه حقيقة مؤلمة تجتاح كيان المعري كلما خلا إلى نفسه، وتحسس أوجاعه الجسدية والنفسية، فكانت مصدراً رئيساً من مصادر شعوره بالعذاب والضنى في هذه الحياة الفانية. وكيفما قلبنا صفحات اللزوميات، يطالعنا المعري الثائر على عالمه المشحون بالحقد، المليء بالمظالم، فيثور على الحكام، على رجال الدين، على الرجل والمرأة، على حد سواء، على الدنيا إذ لا خير فيها ولا خير في أهليها:
ثم إن وجودنا في هذه الدنيا محكوم عليه بالفناء والموت:
المحور الثاني: على خلاف ما سبق، يلاحظ الدارس المتتبع لشعر المعري، أن صورة أنثى المجتمع تقابلها صورة أنثى الطبيعة، من حيث هي جديرة بالتعاطف، وموصولة بالمشاعر الإيجابية الحارة. وفي حين يدعو المعري على أنثى المجتمع بالعقم، وينصح الرجل بالابتعاد عن الزواج لئلا يكون سبباً في تجدد الولادة، ثم تجديد الشرور البشرية وآلامها، نرى الصورة النقيض في أنثى الطبيعة الممثلة بالحمام أو النحل أو الخيل أو النوق، على سبيل المثال. فنراه يدعو للحفاظ على نسلها، وبعدم تعرض الجنس البشري لإيذائها. بل يؤنب الإنسان الذي، من ضمن شروره، إيذاء أنثى الطبيعة والتعرض لصغارها بالصيد والقتل، وهي البعيدة عن التسبب في أذى المجتمع،لأن الأذى بحد ذاته ليس من طبيعتها بقدر ما هو من طبع بني حواء. وإذا ما اقترن الإيذاء والظلم ببني حواء، فإنَّ الحقل الدلالي لأنثى الطبيعة عند المعري، ولتكن الحمامة على سبيل المثال، لا يضم في ساحته سوى: الإسعاد والعزاء، حفظ الوداد، التغريد والغناء، الشجو والندب، النوح والبكاء، السكينة والاستسلام. لذلك هي أبعد ما تكون عن الإيذاء، وأقرب ما تكون طوالب رزق لا تأتي بالعظيم من الأمور، ولهذا الأمر يدعو المعري إلى عدم التعرض لها بالأذى:
وإذا ما خاطب الحمام، فخطابه يقطر حنيناً وحناناً إلى بنات الهديل، وكأنها الأقرب إلى صحبته وإلى قلبه:
والمعري، في إبرازه هذه الدلالات لأنثى الطبيعة وأفراخها يريد أن يؤكد على صفات معروفة ومألوفة لدى الحمام، لكنها مفتقدة – حسب رأيه- في أنثى المجتمع وبنيها، حيث سبق أن رأينا كيف نعتها ونسْلَها بأنها مصدر ظلم وأذى وشرّ، وذلك من قبل إجراء مقارنة ضدية بين الطرفين، تبرز تعاطفه وانجذابه إلى الطرف الأول، وبغضه ونفوره من الطرف الثاني، هذا التعاطف الذي يدفعه إلى تحذير الحمام وتنبيهه من يد الإنسان العابثة والظالمة:
والمعري إذ يقف إلى جانب أنثى الحيوان ونسلها، فإن أخلاقه المستمدة من فلسفته في الحياة تمنعه من إيذائها عن طريق الصيد أو القتل بغية جعلها قوته:
بل يذهب المعري إلى أبعد من ذلك، حين يدعو الإنسان إلى الإيمان بهذه الفلسفة ومشاركته معتقده، والابتعاد عن التعرض للحيوان بالأذى أو الاعتداء، دعوة تأخذ طابع الوصايا المتصدرة بلا الناهية:
وحين يعلن المعري موقفه صراحة إلى جانب الحيوان وأنثاه، متعاطفاً ومتضامناً، نراه يفعل ذلك عن وعي وعن اقتناع بصواب موقفه، وهاهو ـ مرة أخرى، يعلل ويبرر هذا الموقف من خلال المقارنة بين الإنسان والحيوان وأفعالهما:
صورة أخرى لأنثى الطبيعة، الأرض، التي برزت للمعري بأكثر من وجه. فهي دنس غير قابل للطهارة عندما تكون حاضنة للبشر، ومرتبطة بأنثى المجتمع، وهي هنا أرض الوجود الاجتماعي، المقرونة بالنقص والصراع:
لكنها تتحول إلى أرض أخرى طيبة ومعطاء عندما تكون مسرحاً للربيع وفعله، وتنتمي إلى عالم الطهارة والجمال:
المحور الثالث: التأنيث المعنوي أو الأنوثة المجردة، هي أنثى تنتمي إلى عالم المعنى، والمعري المتفلسف يتبدى عمقه الفكري المتبصر في هذا المجال، من حيث هو قرين النظرة الفلسفية والتمحيص العقلي، ولذلك كان احتفاله بما ينتمي إلى عالم المعنى يبدو مشعاً بصورة خاصة في نسيجه الشعري. وقد نجد تفسيراً أولياً لذلك بأن الأنوثة المجردة أو المعنوية لا تَعِدُ بشيء من تكثير الحياة الاجتماعية وبما تحفل به هذه الحياة من ألوان الصراع والشرور، أو بما يمكن أن تنتهي إليه من تدمير المعنى. لذلك كانت الأنوثة المجردة تتوضح في مقابل سابقتها، من حيث هي مجال الامتلاء المعنوي وتوسيع حدود البصيرة، والتغني بخصائصها وميزاتها. وحضورها المشرق لا يترتب عليه إنتاج الوجود المادي الصائر إلى العدم ومظاهر الإثم. ووصف الليلة من قبل المعري، يدخل ضمن هذا المجال الذي يضفي عليه الشاعر الحضور المشرق:
|