مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 108 السنة السابعة والعشرون - كانون الأول 2008 - ذو الحجة 1428
Updated: الاحد, حزيران 01, 2008 12:32 م
فهرس العدد
 

استدعاء شخصيَّة المعريّ في الشعر العربي الحديث والمعاصر (بين الواقع والتجريد) ـــ عصام شرتح(*)

لا شك في أن للموروث العلمي والأدبي والديني والتاريخي أهميته في أدبنا العربي الحديث والمعاصر، إذ: «يعد التاريخ ـ بصفة عامة ـ منبعاً ثراً من منابع الإلهام الشعري، الذي يعكس الشاعر من خلال الارتداد إليه روح العصر، ويعيد بناء الماضي، وفق رؤية إنسانية معاصرة، تكشف عن هموم الإنسان ومعاناته وطموحاته وأحلامه، وهذا يعني أن الماضي يعيش في الحاضر، ويرتبط معه بعلاقة جدلية تعتمد على التأثير والتأثر»([1]).

وهذا بديهي أن يتأثر شعراؤنا في العصر الحديث بالشخصيات التاريخية بصفة عامة، والشخصيات الأدبية بصفة خاصة، إذ إن استدعاء الشخصيات الأدبية في النصوص الحديثة: «يجعل النص ذا قيمة توثيقية، يكتسب بحضورها دليلاً محكماً، وبرهاناً مفحماً على كبرياء الأمة التليد حاضرها المجيد، أو حالات انكسارها الحضاري، ومدى انعكاسه على الواقع المعاصر، أو بمعنى آخر، يستلهم الشاعر أوجه التشابه بين أحداث الماضي، ووقائع العصر وظروفه، إن سلباً أو إيجاباً، وهو في هذا كله يطلق العنان لخياله لكي يكشف عن صدى صوت الجماعة، وصدى نفسه في إطار الحقيقة التاريخية العامة التي يبحث عنها، أو الموضوعات التاريخية الكبرى، التي تشكل حضوراً بارزاً في تاريخ الأمة دون الخوض في جزئيات صغيرة»([2]).

ويعد استدعاء الشخصيات الأدبية في شعرنا الحديث والمعاصر، بمثابة الارتداد الفني بالرجوع إلى الماضي لشحن نصوصهم بدلالات شتى ما كانت لتتأتى لولا هذه التقنية الفنية التي تحاول استنطاق الشخصية الأدبية ومحاورتها أحياناً لنقد الواقع أو السخرية من أحداثه ووقائعه المتناقضة أو الفاسدة؛ بمعنى أدق إن الشخصية الأدبية المستحضرة أشبه بالمرآة الخفية التي تعكس الوجهين معاً في آن، وجه الماضي بإشراقه ونضارته، ووجه الحاضر بتناقضاته وسلبياته؛ وهذا ما أشار إلى بعض منه الناقد علي عشري زايد بقوله: «من الطبيعي أن يكون الموروث الأدبي أثرى المصادر التراثية وأقربها إلى نفوس شعرائنا المعاصرين؛ ومن الطبيعي أيضاً أن تكون شخصيات الشعراء من بين الشخصيات الأدبية هي الألصق بنفوس الشعراء ووجدانهم، لأنها هي التي عانت التجربة الشعرية، ومارست التعبير عنها، وكانت هي ضمير عصرها وصوته، الأمر الذي أكسبها قدرة خاصة على التعبير عن تجربة الشاعر في كل عصر... فلا غرابة ـ إذن ـ أن تكون شخصيات الشعراء من أكثر الشخصيات شيوعاً في شعرنا المعاصر؛ وفي ذات الوقت من أكثرها طواعية للشاعر المعاصر، وقدرة على استيعاب أبعاد تجربته المختلفة»([3]).

ومن الملحوظ أيضاً أن «الشخصيات الأدبية التي حظيت بالقدر الأعظم من اهتمام شعرائنا المعاصرين هي تلك التي ارتبطت بقضايا معينة، وأصبحت في التراث رمزاً لتلك القضايا وعناوين عليها، سواء كانت تلك القضايا سياسية أو اجتماعية أو فكرية، أو حضارية، أو عاطفية، أو فنية. ولقد كان الشعراء يتأولون بعض جوانب حياة الشخصية التراثية، لتصلح ـ عنواناً على القضية التي يريدون أن يحملوها عليها»([4]).

ومن الطبيعي ـ أيضاً ـ أن تكون شخصية المعري إلى جانب شخصية المتنبي وطرفة بن العبد من أهم الشخصيات الشعرية التي تم استحضارها في لغة الشعر العربي الحديث والمعاصر، نظراً إلى غنى هذه الشخصيات بالمواقف والأحداث السياسية، والرؤى الفلسفية والوجودية العميقة فيما يخص فلسفة الحياة والخلق والكون؛ حتى إن بعض الشعراء كتب ديواناً سماه: «رسائل إلى أبي الطيب المتنبي، ضمنه ثلاث عشرة رسالة موجهة كلها إلى أبي الطيب المتنبي»([5]).

وقد اختلف الشعراء أنفسهم في توظيفهم لشخصية المعري، فمنهم من أعطاها قيمة إنسانية عظمى في تاريخ البشرية، ومنهم من أسطرها، وأسند إليها صفات خارقة، وسطر لها الملاحم الشعرية؛ ومنهم من أضفى عليها هالة من التقديس والعظمة والجلال؛ محلقين بهذه الشخصية إلى مراتب الأنبياء، والأولياء، والصالحين، والقادة العظماء، ظناً منهم أنهم ـ بذلك ـ قد أنصفوا المعري ـ حقيقة ـ وأعطوه الدرجة أو المكانة الأدبية أو الفكرية التي يستحقها، ولو أنصفوا المعري حقيقة لتعمقوا أفكاره ورسموا ملامح فلسفته ورؤاه الوجودية، ودعموا الركائز الفلسفية التي استند إليها في فلسفته من خلال جدلياته التي طرحها ورؤاه الميتافيزيقية والماورائية التي استنبطها في سر الحياة والخلق والكون؛ والحق يقال: إن أغلب شعرائنا ـ في العصر الحديث ـ كانوا سلبيين في استحضارهم لشخصية المعري حتى وهم غارقون في تبجيلهم ومدحهم للمعري؛ وهذا ينم ـ بشكل أو بآخر _ على ضحالة في الرؤية أو تشتيت في وحدة المنظور، إذ إن أغلب شعرائنا ينظرون إلى المعري وكأنه إله الفكر أو تمثال الفن الذي يجب أن يعبد؛ إن هذه الرؤية قد عصفت بفكر الشعراء وبنظرتهم الفنية للمعري، لهذا لم يوفق شعراؤنا المعاصرون في استحضار شخصية المعري استحضاراً فنياً راقياً يعتمد الإسقاط والمحاورة أو المناورة الفنية التي تحرك شخصية المعري من جذورها وتبعث فيها نبض الحياة من جديد؛ وهذا طبيعي ـ من وجهة نظرنا ـ لأن معظم القصائد التي قيلت في المعري قصائد مناسباتية ولم تكن قصائد إبداعية تتمثل أعلى درجات الفن وروح الإبداع في التمثل والاستحضار؛ إذ إن أغلب شعرائنا كانوا يهربون إلى تزويق الصور وتنميق العبارة المدحية الجذابة التي تعصف بفكر المتلقي الساذج البسيط من دون تمثل حقيقي لفكر المعري ورؤاه الوجودية، ولم نجد من شعرائنا الأفاضل إلا القليل ممن أجرى محاورة فلسفية معه، يستنبط من خلالها الكثير من أفكاره ورؤاه، محطماً هالة التقديس والإجلال التي جمدت شخصية المعري في أدبنا الحديث ردحاً من الزمن، بدلاً من أن تحييه من جديد لينطق بلسان حالنا وواقعنا المعاصر المأزوم.

وحرصاً منا على توخي الدقة العلمية فقد قمنا بدراسة تقنية استحضار شخصية المعري في شعرنا الحديث والمعاصر من منظورات أو محاور عدة هي:

أولاً ـ شخصية المعري بوصفها عنصراً في صورة جزئية:

لقد أكثر الشعراء في العصر الحديث والمعاصر من استحضار صورة جزئية من شخصية المعري، دون تمثل كامل لهذه الشخصية؛ و«يعتبر هذا النمط من أنماط توظيف الشخصية التراثية أبسط هذه الأنماط، وربما أهونها شأنا من الناحية الفنية، حيث يظل ارتباط الشاعر ـ في إطار هذا النمط بالشخصية المستدعاة ـ ارتباطاً هامشياً، ويظل إحساسه بها من الضعف، بحيث لا تستطيع الشخصية أن تستقطب أبعاد تجربته أو حتى بعداً واحداً منها»([6]).

وقد يقف استحضار شخصية المعري عند حدود الصورة الجزئية، إذ تكون الشخصية المعرية المستحضرة،«مجرد صورة بلاغية ـ تشبيه أو استعارة، أو كناية يمكن رد كل طرف من أطرافها إلى مقابل واقعي، وتنتهي وظيفتها في القصيدة بمجرد تحقيق الصلة بين وعي المتلقي وفكره ووجدانه ؛ وقد تكون صورة تشع الشخصية بإيحاءات رحيبة لا يمكن تحديدها، وفي كل الأحوال فإن نجاح الشاعر يقاس بمدى توفيقه في شحن الصورة بطاقة لا تنفد من الإيحاءات من ناحية، وبتوظيفها لخدمة السياق العام للقصيدة وتطويعها للمقتضيات الفنية لهذا السياق من ناحية ثانية؛ بحيث لا يبدو العنصر التراثي [المرتبط بالشخصية المستحضرة] مقحماً على [جو] القصيدة ومفروضاً عليها من الخارج»([7]).

واللافت أن أغلب شعراء الحداثة في سورية قد استحضروا شذرات من شخصية المعري، أو صوراً جزئية لا ترتقي إلى حيز التمثل الاستحضاري الجيد لشخصية المعري، مما جعل نصوصهم تقع في حيز المباشرة والضعف والاستهلاك، كما في قول أدونيس في قصيدته (مرآة لأبي العلاء)، التي يقول فيها:

«أذكرُ أني زرتُ في المعرةِ

عينيكَ، أصغيتُ إلى خطاكْ

أذكر أن القبر كان يمشي مقلداً خطاكْ

وكنن حول القبرْ / صوتكَ، مثل رجةٍ، ينامْ

في جسدِ الأيام أو في جسد الكلامْ

على سريرِ الشعرْ / ولم يكن هناك والداكْ

ولم تك المعرةْ...»([8]).

فعلى الرغم من فاعلية أسلوب المعري التجريدي في هذا المقطع، وصوره الرؤيوية والتشخيصية المفاجئة [صوتك، مثل رجة، ينام / في جسد الأيام / أو في جسد الكلام / على سرير الشعر] فإنه لم يتمثل شخصية المعري تمثلاً حقيقياً؛ ولم يتفاعل معها التفاعل الفني والاستحضاري المطلوب، فبدت شخصية المعري صورة جزئية، أي مجرد تشبيه أو استعارة لا ترتقي إلى حيز التمثل والاستحضار الإبداعي الذي يضفي على الشخصية المستحضرة أبعاداً ورؤى من تجربته يفعل من خلالها دلالات القصيدة على المستويات الأسلوبية والفنية والتخييلية والتعبيرية كافة.

وكما هو حال شاعرنا المعاصر أدونيس كان حال شاعرنا المصري فاروق شوشة الذي استحضر ملمحاً جزئياً من شخصية المعري، إذ «رأى في اعتزال أبي العلاء ـ مثلاً ـ لوناً من الانفتاح الشامل على الحياة وأسرارها في مقابل انغلاقنا نحن وقصور أبصارنا، وقد ولد من خلال هذه المقابلة نوعاً من المفارقة التصويرية، حيث يستطيع الضرير ببصيرته أن يعانق سر الحياة، ويكتنه أبعادها وجوهرها، بينما يتيه المبصرون في بحر الضلالة ويتخبطون في موج التيه والظلام، ويتمنون لو استطاعوا أن يصلوا إلى صفاء عالم المحبسين بما فيه من ضياء البصيرة»([9]).على نحو ما نلحظه في قوله:

«هل آن للإنسان أن يجاوز الآلام

مهاجراً من عالم الملال والسآمه

إلى صفاء المحبسين / وعالم النقاء والكرامة ؟!»([10]).

وقد استحضر الشاعر عبد الله القرشي شخصية المعري بعمق وشمولية أكثر من سواه على الرغم من أنها لم تستغرق كامل القصيدة؛ والسبب يعود ـ من جهة نظرنا ـ إلى الثقافة الواسعة التي يمتلكها هذا الشاعر مقارنة بسواه من الشعراء؛ ناهيك عن قدرتها البالغة في رصد صفات المعري وتمثل أبعادها، وإن غلب عليها الطابع المدحي الاستهلاكي أحياناً، إذ يقول:

«إيهٍ ( رهينَ المحبسيـ

 

ـين) جنىً، فقد وضُحَ الصوابْ ؟

زلزلتَ أوهامَ الجمو

 

دِ فأُلجمَتْ منكَ الذئابْ

ولُمتَ أرسانَ العلو

 

مِ، وما استكنتَ إلى غِلابْ        

ما كنتَ رهنَ الوحدةِ الـ

 

ـعزلاءِ بل كنتَ الصِّلابْ        

سِفراً يخطُّ بهِ الخلو

 

دُ مجاهلَ الكونِ اللبابْ         

فاهنأ فذكركَ جاهرٌ

 

تحدوهُ أنغامٌ طرابْ           

ولتحظَ بينَ مفاخرِ الدنـ

 

ـيا، فحسبُك من ثوابْ »([11])

واللافت أن القرشي قد تجاوز في بعض المقاطع السطحي والمألوف من الصور ليحاوره، محاورة كاشفة (هادفة)، كاشفاً من خلالها بعض رؤاه ومواقفه الأيدلوجية وخاصة موقفه من المرأة، مؤكداً إنسانيته العظيمة، إذ يقول:

«أعجَّلتَ في الكون الحسابْ

 

وجثثتَ للخلدِ الركابْ

وسخرتَ من أملٍ كومضِ الـبر        

 

قِ أو لمحِ السرابْ        

فعصفتَ بالعمرِ الكئيـ        

 

ـب ِ، وسغتَ ألوان العذابْ      

ومضيتَ ترفدكَ العلى

 

ويؤجُُّك الفكرُ العجابْ

وكم استطبتَ جوى الأيا        

 

مى لا تحنُّ إلى الكعابْ        

لم تغرِكَ الحسناءُ بالسـ      

 

ـحـر المرموق والرضابْ        

ورحِمتَ طفلكَ أن تنا        

 

هضهُ الشجونُ بلا حسابْ         

فوأدتَهُ وأدَ الحكيـ            

 

ـمِ وليتَ طفلاً منكَ آبْ »([12])

إن المتأمل ـ في هذه الأبيات ـ يلحظ أن القرشي استوحى تجربة المعري، واستقدمها في إطارها الواقعي المرسوم لها مسبقاً، مما أفقدها الكثير من الدفق الإيحائي أو الجمالي المميز؛ وكان من الأجدى له أن يوظفها في إطارها المعاصر، مضفياً عليها بعضاً من رؤاه. لكن على الرغم من ذلك كله لم يكن سلبياً في التوظيف؛ ولم يك هش الرؤية، بل حاول أن يتغور أبعاد تجربة المعري ومحاورتها محاورة شعرية هادفة، ترصد واقعه ومواقفه بعمق وشمولية.

ومن الشعراء المعاصرين الذين تناولوا شخصية المعري بصورة جزئية موفقة إلى حد ما، شعراء معرة النعمان، ونذكر منهم: ماجد الأسود، وعبد الرحمن الإبراهيم، ومحمد الشيخ علي، وياسر الأطرش؛ إذ وظفوا شخصية المعري في ثوبها المعاصر، لكنهم لم يحاوروها ولم يتخذوا منها قناعاً، بل جاءت لغتهم خطابية ذات نبرة حادة مباشرة، حاول بعضهم الاتكاء على الصورة بإثارة غرابتها ودهشتها، للرقي بالقصيدة إلى الحيز الشعري أو الجمالي المطلوب من ذلك قول ياسر الأطرش:

«وقفتَ.. ولا تزالُ.. ولا تزولُ    

 

صعودٌ أنتَ ليس لـهُ نزولُ

كأنكَ في كتابِ الدهر عامٌ

 

وكلُّ الآخرينَ بهِ فصولُ      

وأنتَ وما جنيتَ على وليدٍ

 

خلِّدتَ أباً سلالتُهُ عقولُ

فيا رجلاً يحاولُ وهوَ ميتٌ

 

لنا عمرٌ يموتُ ولا يقولُ»

 

***

 

«رهينَ المحبسينِ أراك حرّاً

 

فبيتُكَ واحةٌ، وعماكَ نيلُ

تجوعُ إليكَ أزمنةٌ حيارى     

 

يضلُّ بها عن الوعيِ السبيلُ    

أتتركنا بلا أفقٍ وتمضي

 

وخلفَ عماك تختبئُ الحلولُ»([13])       

هنا، حاول الشاعر أن يعزف على إيقاع الصورة المثيرة للارتقاء بقصيدته إلى المستوى الجمالي أو الفني المطلوب؛ فكانت شخصية المعري في النص متكأً فنياً (اسقاطياً) يحاول الشاعر من خلالها تعرية الواقع، وكشف سلبياته وتناقضاته وأزماته السياسية، فكان استحضاره ارتدادياً خطابياً مباشراً أكثر منه اتكاءً فنياً موحياً؛ هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أسند الشاعر لشخصية المعري أدواراً ليست من طبيعتها ولا أبعادها، وهو البعد السياسي، فشخصية المعري ليست الشخصية الأسطورية الخارقة القادرة على حل مشاكلنا السياسية في لحظة العقم الذي تعيشه أمتنا العربية، صحيح أنها شخصية عبقرية مفكرة، لكنها ليست تلك الشخصية الحربية السياسية التي تمتلك الحلول، كشخصية خالد بن الوليد، وصلاح الدين الأيوبي، وعبد الرحمن الداخل الملقب بـ«صقر قريش»، وموسى بن نصير، وطارق بن زياد... إلخ.

وهذا يدعونا للقول: إن أغلب الشعراء في عصرنا الراهن لم يحاولوا استنطاق هذه الشخصية، وبعث مكنوناتها الجوهرية ورؤاها الميتافيزيقية الوجودية؛ فكانت أشبه بلصوقات عشوائية طنانة لا تنم على خبرة ومران في استدعاء الشخصية المستحضرة، وشحنها بفيض دلالي عارم من جديد لتنطق بما نريد ونعري من خلالها ما نريد... صحيح أن هنالك بعض اللمحات أو القفزات الشعرية ـ عند عدد لا بأس به من هؤلاء الشعراء لكنهم باستحضارهم لشخصية المعري يقف لسان حالهم عند الثناء والمديح دون تمثل حقيقي أو استنطاق حقيقي فكري أيدلوجي نفسي لشخصية المعري.

ثانياً ـ شخصية المعري بوصفها محوراً لقصيدة كاملة:

يعد هذا النمط من أنماط استحضار شخصية المعري من أكثر الأنماط تواتراً أو اطراداً في شعرنا الحديث والمعاصر، باعتباره يستغرق رؤية القصيدة ومقاطعها بأكملها، إذ «تغدو الشخصية المستحضرة في هذا النمط هي الإطار الكلي، والمعادل الموضوعي لتجربة الشاعر، حيث يسقط على ملامحها التراثية كل أبعاد تجربته المعاصرة »([14]).

لقد استطاع عدد قليل من شعرائنا العرب المعاصرين استحضار شخصية المعري بوصفها مرتكزاً لرؤية فلسفية عميقة أو شاملة، تشكل مفاصل أو محاور مهمة في فكر المعري، ونظرته الوجودية؛ حيث تم من خلالها إعادة النظر إلى العالم وفق رؤية جديدة، تجاوز الأبعاد الدلالية المألوفة، لتصبح رمزاً قادراً على اكتشاف العالم، وصياغته من جديد وفق رؤية ثورية ذات أبعاد سياسية واجتماعية؛ وهذا ما أشار إلى بعض منه الناقد علي عشري زايد بقوله: «أما الشعراء الذين عبروا عن قضية فكرية، فيأتي على رأسهم شيخ المعرة الضرير، الذي اعتزل الحياة وفسادها، وقبع رهين محبسيه ـ العمى ولزوم البيت، وقد يبدو للوهلة الأولى أن هذا موقف سلبي من المعري لا يصلح لأن يعبر من خلاله شاعر معاصر عن قيمة إيجابية، ولكن شعراءنا استطاعوا رغم هذا أن يضيفوا على هذا الموقف دلالات إيجابية عميقة، وأن يعبروا من خلاله عن كل رفض موضوعي لما يسود الحياة من فساد، وشرور، ومظالم، وآلام»([15]).

وقد كان أبرع من عبر عن هذا الموقف الإيجابي الرافض ـ على حد تعبير العشري ـ هو الشاعر عبد الوهاب البياتي في قصيدته «محنة أبي العلاء»؛ «إذ حمل الشاعر شخصية أبي العلاء في هذه القصيدة دلالات كثيرة، ولكنها ترتد كلها إلى قضية اعتزاله للحياة رافضاً لها، وبرماً بما تخفيه وراءها من فساد، وانحلال، وضلال»([16]). فها هو يقول في المقطع الأول من قصيدته ما يلي:

«متَّ وما تزالُ حياً أنتَ والريحُ التي تبكي

تهزُّ البيتَ في المساءِ / حرمتني من نعمة الضياء

علَّمتني ثقل غياب الكلمات وعذابَ الصمت والبكاءْ

الشارعُ الميِّت غطَّى وجهُه الصقيعُ

والبابُ أُغلِقت إلى الأبدْ

ثلاثة منها أطلُّ في غدٍ عليك / مقبِّلاً يديك:

لزومُ بيتي وعمايَ واشتعالُ الروحِ في الجسد»([17]).

هنا، يأتي استحضار شخصية المعري لتعكس إحساس الشاعر بالوحشة والعذاب؛ إذ جعل الشاعر شخصية المعري معادلاً وجودياً لشخصيته اليائسة المتشائمة، بصور هي غاية في الشفافية والإثارة والاستبطان الارتدادي الماورائي لما تضمره شخصية المعري من دلالات، مردها العزلة والانكفاء على الذات، طلباً منها إدراك الحقيقة المثلى في الحياة ألا وهي صفاء الحرية في عالم الكبت والحرمان.

ويأتي المقطع الذي عنونه بـ«سقط الزند»، موظفاً شخصية المعري بأسلوب ديالكتيكي تكنيكي ساخر؛ إذ جعلها متكأً فنياً مزاوجاً من خلالها بين فساد العصر الذي عاش فيه المعري وفساد عصرنا الراهن الذي نحن فيه؛ محاولاً أن يجعل المعري شاهد عيان على كل ما يحدث في واقعنا الراهن من ظلم وانحلال وضياع، إذ يقول:

«كان زماناً داعراً، يا سيدي، كانَ بلا ضفافْ

الشعراءُ غرقوا فيه وما كانوا سوى خرافْ

وكنت أنت بينهم عرَّاف / وكنتَ في مأدبة اللئآم

شاهدَ عصرٍ سادهُ الظلامْ

قافية الهمزة كانت بغلةً عرجاءْ / يركبها الأمير كل ليلة ليلاءْ

كلُّ القوافي أصبحت، يا سيدي، كالبغلةِ العرجاءْ

كان زماناً داعراً، كان بلا حياءْ»([18]).

ويأتي المقطع السادس الموسوم بـ«قمر المعرة»، مضفياً عليه دلالات سياسية، إذ يحاول الشاعر أن يعري من خلال قناع المعري مفاسد السلطان وسياسته الظالمه، على نحو ما تبدى في قوله:

«الليل في معرة النعمان / زنجيَّة على رخام جيدها قلائد الجمانْ

فاستيقظي يا صخرة في الصدر، يا رمحاً بلا سنانْ

يا كلماتٍ خضِّبت بالدمِ، يا ناراً بلا دخانْ

ولتسكتي ضفادع السلطان / والجيف الموشومهْ

بالنارِ والجرائدِ القديمهْ / ولتضيء البروق

يا أم دفرٍ / وجهك المسحوقْ / وثوبك المرقعَ المسروقْ

فالفقراء صلبوا في السوق / سلطانك المخلوع

وكفروا بالجوع / ولتضيء المشاعلْ

ظلامَ هذا الكوكبِ الغارقِ بالأوحالِ والصقيعِ

هذا الأقحوانُ الذابلْ»([19]).

ومن الشعراء العرب الذين وفقوا في استحضار شخصية المعري، وتوظيفها توظيفاً فنياً مثيراً الشاعر الكويتي عبد الله العتيبي في ديوان ( مزار الحلم )؛ إذ تأثر العتيبي بدالية المعري التي مطلعها:

«غيرُ مجدٍ في ملتي واعتقادي

 

نوحُ باكٍ ولا ترنُّم شادِ

أبكتْ تلكمُ الحمامةُ أم غنـ

 

ـت على فرع غصنِها الميَّادِ

تعبٌ كلها الحياةُ فما أعـ

 

ـجبُ إلا مـن راغـــبٍ في ازديادِ

إن حزناً في ساعةِ المو

 

تِ أضعافُ سرور في ساعةٍ الميلادِ»

هنا، «اتخذ العتيبي من كلمتي ( غير مجد ) اللتين استهل بهما فيلسوف المعرة قصيدته «ثيمة» أساسية في قصيدته الموسومة بـ( بين يدي أبي العلاء )، بمعنى أنه يجعلها محوراً لها تدور حوله، لتعبيرها عن حالته الشعورية والفكرية، وهي حالة الإحباط الذي يبلغ حافة العدمية، ثم يغترف من بئرها السحيق، بعد أن هانت العروبة في عيون أهلها، وتناثر عقدها النظيم بأيديهم الواهنة، فغدت حباته شبحاً مطرقاً بعد تجل نوارني مهيب([20]) على نحو ما تبدى في قوله:

«كلُّ شيءٍ أصبحَ يا شيخُ يجدي

 

ما عدا العوم في بحارِ التحدِّي

أجدَبتْ ريحُنا، فكلٌّ شراعٍ

 

يعشقُ الريحَ، عشقهُ غيرُ مجدِ

أنستْ ريحُنا لدفءِ المرافي

 

واستقرَّ الشراعُ أسمال بردِ

صلبت كالظنونِ سمرُ الصواري

 

وانطوى شوقُها لمُحضرِّ وعدِ »([21])

يحاول الشاعر ـ في هذا المقطع ـ استحضار شخصية المعري، مفضياً إليه الحال الذي وصلت إليه الأمة العربية اليوم من ضعف وانكسار وذل وهوان؛ إذ باتت مرافئها مشرعة للريح فقط، دون أن تخوض غمار المعارك في ساحات النزال؛ فقد أنست الصواري لدفء المراكب، وقد باتت الأعلام ساكنة مصلوبة كأنها أشلاء ممزقة على الرمال تنتظر الأمس البعيد لعله يحمل في طياته الأمل والميلاد الجديد.

ثم يتابع سلسلة الصور الدالة على الانهيار والتمزق العربي، قائلاً :

«يا حكيمَ الزمانِ هذا زمانٌ

 

ظاهريُّ العُلا، سحيق التردِي

بدَّلت أفقَها النجومُ وباتتْ

 

ساهراتٍ على شفا كلِّ لحدِ

يا صديقَ الضياءِ، هذي نجومٌ

 

نورُها ـ يا إمامُ ـ ما عادَ يهدِي»([22])

ثم يتخذ العتيبي من شخصية المعري قناعاً، يجعله ينطق بما يريد، إذ «يبثه همه، ويشكو له هوان قومه على الناس، وقلة حيلته في إيقاظهم، ولكن الرائد القديم ( المعري ) لا يجيب، وكأنه يعلن بالصمت احتجاجه على ما يجري بيننا، أو كأنما النطق لا يجدي وهو صاحب مبدأ اللاجدوى في داليته»([23]).إذ يقول:

«في اعتلالِ الزمانِ، تأتي الليالي    

 

مثقلاتٍ بكلِّ حمقاءَ تردِي

في اعتلالِ الزمانِ، تفضي دروبٌ   

 

لدروبٍ جميعُها لا تؤدِّي    

من جراحِ الزمانِ نحنُ أتينا

 

بوجوهٍ شدَّتْ على غيرِ ودِّ       

أدلجَ الباحثونَ عن درَّةِ الفجـ

 

ـرِ وبتنا نرى الدجى دونَ مدِّ

بأسنا بيننا شديدٌ ولكنْ     

 

نتهاوى إذا سما كلُّ بندِ       

أنكرتْ وجهَنَا الحياةُ فعُدنا      

 

مسرجينَ الخطا لسالفِ عهدِ     

حكمةُ العصرِ، أعينٌ في المنايا

 

موغلاتٌ وراءَ نبضِ التصدِي»([24])

ثم لا يكتفي العتيبي بشخصية المعري كي تكون شاهداً على ما يحدث؛ بل يستحضر عدداً لا بأس به من الشخصيات العربية القديمة، ويراكمها العتيبي في قصيدته هذه على نحو لافت، كما في قوله:

«مذ رأينا الحلاجَ في سوقِ يافا

 

بائعاً للوجوهِ من كلِّ عهدِ     

بجميعِ الأحوالِ إن شئتَ عندي  

 

وجهَ شيخِ تريدُ ؟ أم وجهَ قردِ ؟

ومضى ( عروةُ ) يبيعُ الصعاليـ  

 

ـكَ ليرضي بها هوَى كلِّ وغدِ   

و( أبو ذرٍ ) يا إمامُ رأوهُ

 

يومَ حربِ الثغورِ سمسارَ نقدِ  

مذ رأينا ( لبيدَ ) و ( المتنبي )

 

يعرضانِ الأزياءَ في قصرِ عبدِ   

مذ رأينا (المجنونَ) يرهنُ ليلى

 

فديةً كي يعودَ يوماً لنجدِ     

أنتَ في السوقِ قد رأيتُكَ تمشي

 

عارضاً في الخفاءِ أسمالَ مجدِ  

لا تسلُ يا إمام عن سرِّ هذا

 

فاعتلالُ الزمان يا شيخُ يُعدِي     

كلُّ شيءٍ يا شيخنا بات يُجدي

 

ما عدا العومِ في بحارِ التحدِي»([25])

يستحضر الشاعر ـ في هذا المقطع بالإضافة إلى شخصية المعري ـ عددا متراكماً من الشخصيات الشعرية التي تركت بصمات واضحة في مسيرة شعرنا العربي القديم، مبيناً فساد العصر الذي نحن فيه، وفساد العصر الذي عاش فيه هؤلاء الشعراء؛ واللافت أن العتيبي قد انزاح بالشخصية التراثية الشعرية المستحضرة ( شخصية المعري ) من طابعها التقديسي والتهويمي الكبير إلى طابع آخر منزاح تماماً عن الأول هو: «طابع السخرية والتهكم من الشخصية الشعرية المستحضرة»، وكأنه ـ بذلك ـ يحملهم مسؤولية فساد الواقعين القديم والحديث؛ لأنهم ـ من وجهة نظره ـ لم يؤدوا الأمانة الشعرية المنوطة بهم في تبصير الناس بالواقع، وإصلاحه من مفاسده، بل يجعلهم مصدر الفساد والانحلال؛ إذ يسند إليهم أدوار وصفات سلبية غير منوطة بهم أصلاً؛ حين يجعلهم سماسرة ولاعبي قمار وعارضي أزياء، وماجنين، ولصوصاً، وجبناء ومرابين؛ مؤكداً فسادهم وفساد مجتمعهم أيضاً... وهكذا استطاع العتيبي ـ بمهارة فنية ـ أن يحور في مسار الشخصيات الشعرية المستحضرة، والعبث بحركتها وبأدوارها، إذ يحملها دلالات جديدة، لتعرية الواقع وكشف سلبياته من جهة، وإدهاش المتلقي بالأدوار الجديدة المنوطة بالشخصيات المستحضرة من جهة ثانية. ومن هنا نلحظ أن بعض الشعراء تقليديون في استحضارهم للشخصيات التاريخية ومنها شخصية المعري، إذ وفق بعضهم في استحضار أبعاد هذه الشخصية عندما استنطقوها من الداخل، وذلك حينما انزاحوا بها من مسارها التقليدي المهيأ لها سلفاً إلى مسار رؤيوي حدثاوي يواكب الواقع الحالي بعين ناقدة، تستظهر ما وراء الحدث، وترتقي بشخصية المعري إلى دائرة الحدث الوجودي والفكري والسياسي المعاصر.

ومما لا شك فيه أن استحضار شخصية المعري بوصفها محوراً لقصيدة كاملة قد يكون له بعد سلبي أكثر منه بعداً إيجابياً في حال سكونية هذه الشخصية المستحضرة وعدم تفاعلها مع بؤرة الحدث المستقطبة من أجله، وذلك عندما تبقى شخصية المعري المستحضرة مجرد لصوقات اسمية فقط من دون تمثل أو تفاعل أو اندماج حقيقي لهذه الشخصية في جو القصيدة؛ حيث تبقى ـ في معظم الأحيان ـ هامشية لا تمتلك حضورها الدلالي المحوري الفاعل لشحن القصيدة بالتوتر والإيحاء، على نحو ما تبدى لنا في قصيدة «أبو العلاء المعري» للشاعر اللبناني إلياس لحود؛ فاللحود ـ في هذه القصيدة ـ لم يكن استحضاره لهذه الشخصية فاعلاً؛ إذ كان استحضاره فقط للاسم من دون تغلغل نفسي أو فني في الرؤية النصية والفكرية للشخصية المعرية المستحضرة؛ أو التفاعل معها على وجه من الوجوه، على نحو ما تبدى لنا في قوله :

«نمشي / بيديهِ يرى... / بيدي أرى...

مالا يبصرُهُ فيك السجان أو السلطان أو الرحمانْ...

أو الشيطانُ الأعظم / صرت معرِّيَّ المسحوبَ

أرى الخيَّالةَ في دانتي / ضعتْ

بين دمي وعمائِي / بين فمِي وفنائِي

(كما قال الحلاجُ) رجعتْ مثل الجدريّ المطعون

صرختْ :

أ أنا في حلم من كنْ ؟

أم ليل عروس من جنّ ؟؟

يا سعدي...»([26]).

لقد حاول اللحود ـ في نصه الشعري السابق ـ أن يدهشنا في التركيب الانزياحي المتشظي لإيقاع الصور، واللعب بقدسيتها فيما يخص شخصية المعري، وكأنه يريد إظهار ثورة المعري الوجودية من خلال ثورة تراكيبه وتشظيها ودهشتها وجرأتها على تعدي المألوف والمقدس، لكن على الرغم من ذلك كله كانت شخصية المعري غائبة عن النص غير فاعلة فيه بنيوياً ورؤيوياً، بسبب الإدخال المفاجئ لشخصيتي دانتي والحلاج دون إسناد الأدوار المنوطة بهما؛ مما جعل الرؤية مشوهة أو متشظية تنم عن تهدج وهذيان أكثر مما تنم عن بلورة محكمة أو إتقان؛ وهذا العبث الحداثي أحياناً رغم الصور الانزياحية النفسية المثيرة التي يولدها في النص يقتل الشعرية في كثير من الأحيان، ويجعلها مصدر نفور بدلاً من أن تكون مصدر إثارة وجذب وإقبال.

ثالثاً ـ شخصية المعريِّ بوصفها شخصيَّة إنسانية شاملة :

إن هذا البعد الإنساني الاستحضاري لشخصية المعري يعد من أكثر الأنواع إثارة أو فنية في توظيف شخصية المعري المستحضرة؛ إذ يسند إليها الشاعر أدواراً وملامح إنسانية رقيقة، تشكل فواصل مهمة في كشف البعد الإنساني الفلسفي لهذه الشخصية، وما تنطوي عليه من رؤى إنسانية في الواقع والوجود.

وفي إطار هذا النمط تكون الشخصية المعرية المستحضرة محوراً لقصيدة كاملة، يحاول الشاعر فيها رصد ملامح هذه الشخصية؛ وبلورتها؛ ورسم معالمها ودقائقها بدقة متناهية؛ وكأنه يرصد المعري بعدسة مونتاجية قريبة ترصد حركاته وصفاته ووقع خطاه؛ إذ يحاوره بدعابته تارة، وينطق باسمه أو بلسان حاله تارة أخرى، كاشفاً الواقع وما فيه من تناقضات أو سلبيات؛ بمعنى أدق: إن الشاعر في هذا النمط يحرك شخصية المعري وينقذه من السكونية والجمود الذي ران على قصائدنا الحديثة والمعاصرة ردحاً طويلاً من الزمن؛ بمحاورته، ومداعبته بصفاته الخلقية والخلقية ومواقفه الهزلية، من الواقع والمرأة، تارة أخرى، وقد يجعله قناعاً يبث من خلاله الكثير من هموم هذا العصر ومعاناته الظلم والانحلال.

وتعد قصيدة: «إيه حكيم الدهر» لبدوي لجبل، الأنموذج الأمثل لاستحضار شخصية المعري ببعديها الإنساني والفلسفي، إذ يقول فيها:

«حليَ النديُّ كرامةً للراحِ

 

عجَباً أتسكرنا وأنتَ الصاحِي

لكَ في السرائرِ بدعةٌ مرموقةٌ     

 

أنسُ المقيمِ وجفوةُ النزَّاحِ      

الدهرُ ملكُ العبقريةِ وحدَها  

 

لا ملكُ جبَّار ولا سفاحِ        

والكونُ في أسرارهِ وكنوزِهِ     

 

للفكرِ لا لوغىً ولا لسلاحِ

لا تصلحُ الدنيا ويصلحُ أمرُها    

 

إلا بفكرٍ كالشعاعِ صراحِ        

مرِحٌ على كيدِ الحياةِ وأهلِها     

 

يلقى شدائدَها بأزهرَ ضاحِ      

خيرُ العقائدِ في هواي عقيدةٌ              

 

شماءُ ذاتُ توثُّبٍ وجِماح        

 

***

 

أعمى تلفتتِ العصورُ فما رأتْ     

 

عندَ الشموسِ كنورهِ اللمَّاحِ      

نفذتْ بصيرتُهُ لأسرارِ الدجى

 

فتبرَّجتْ منها بألفِ صباحِ

من راحَ يحملُ في جوانحِه الضحَى

 

هانت عليهِ أشعةُ المصباحِ»([27])

إن المتأمل ـ في هذه الأبيات ـ يلحظ أن البدوي يبدأ باستحضار ـ شخصية المعري ـ بداية مدحية تقليدية شأنه في ذلك شأن غيره من شعرائنا الكلاسيكيين الجديدة، لكن سرعان ما ينتقل إلى رصد صفاته الخلقية، وإثبات أن الخلود لذوي العقول لا لذوي الحروب أو السلاح، والمعري ـ هو الأنموذج الأمثل ـ لمثل هذه الشخصية العقلية العظيمة التي أشعت في سماء العقل والفكر؛ ثم ينتقل بعد هذا الأسلوب التقليدي المدحي المباشر ليستبطن صفاته الإنسانية، وكأنه يخاطبها وجهاً لوجه ملتفتاً من ضمير الخطاب إلى ضمير الغيبة، ومن الغيبة إلى الخطاب المباشر وهكذا، على نحو ما تبدى لنا في قوله:

«أمصورَ الدنيا جحيماً فائراً

 

يرمِي العصورَ بجمرهِ اللفَّاحِ     
 

هوِّن عليكَ ففي النفوسِ بقيةٌ     

 

من رحمةٍ ومروءةٍ وسماحِ       

خلفَ الهجيرِ وعُنفِهِ ولهيبِه          

 

ما شئتَ من ظلٍّ وطيبِ نفاحِ      

ضجَّتْ ملائكةُ السماءِ بساخرٍ     

 

مرِّ الدعابةِ شاتمٍ مدَّاحِ       

السخرُ فيهِ إذا أُخذتَ بكفرهِ      

 

كالسخرِ حينَ تراهُ في النُّصاحِ      

عرَّى السرائرَ والنفوسَ ممزِّقاً     

 

عنهنَّ كلَّ غلالةٍ ووِشاحِ       

وجلا المصونَ من الضمائرِ فانتهى

 

همسُ النفوسِ لضجةٍ وصياحِ»([28])        

إن البدوي ـ في هذه الدفقة الشعرية ـ يحرك شخصية المعري، معتمداً تقنية الالتفات، والانتقال بين الضمائر؛ من ضمير الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى الخطاب؛ مولداً نوعاً من الإثارة الحركية بين الضمائر على الصعيد التقني الفني؛ ففي الأبيات الثلاثة الأولى مثلاً يستخدم الشاعر ضمير الخطاب المباشر [أنت ]، كما في قوله: [أمصور الدنيا جحيماً فائراً.. / هون عليك.. ما شئت من ظل وطيب نفاح ]، ثم التفت الشاعر بعد ذلك إلى ضمير الغيبة [هو] و [هي] في الأبيات الأربعة الأخيرة، كما يلي [ضجت ملائكة السماء بساخر مر الدعابة ـ السخر فيه ـ عرى السرائر ـ وجلا المصون ـ فانتهى همس النفوس ]، وقد يناوب الشاعر بين الضميرين في البيت الواحد، ملتفتاُ من ضمير إلى آخر، كما في البيت الأول، إذ التفت الشاعر فيه من ضمير الخطاب المباشر [أمصور الدنيا جحيماً فائراً] مستخدماً الهمزة في نداء الحاضر المباشر القريب، إلى ضمير الغيبة «هو» الذي يتبدى في قوله: [يرمي العصور بجمرهِ اللفاح ]، على هذا النحو أسهمت تقنية الالتفات بين الضمائر في تحريك الشخصية المعرية المستحضرة؛ وبث الحيوية والحركة والحياة فيها من جديد؛ فلم تعد شخصية المعري المستحضرة مجرد صورة سكونية أو تمثال يبجله الشعراء ويغرقونه مدائح وتهويمات كيفما يشاؤون ومتى يشاؤون؛ فيقتلون شخصية المعري في نصوصهم قبل الاستحضار وبعد الاستحضار؛ لأن شخصية المعري ـ حينئذ ـ تبقى دخيلة على نصوصهم مفروضة عليها من الخارج؛ رغم استحضارها المدحي التهويمي الكبير الذي نجده عند معظم شعرائنا المعاصرين؛ وقد كان البدوي على درجة كبيرة من الوعي والإدراك بأهمية الالتفات بين الضمائر لتحريك الشخصية المعرية المستحضرة، ومحاورتها وجهاً لوجه، وكأنها حية تنطق بلسانه يحاورها وتحاوره؛ وهذا ما نلحظه ـ أيضاً ـ في مقطع آخر من القصيدة؛ حين يخاطبه وجهاً لوجه، ويعاتبه، ويداعبه مداعبة لطيفة، من خلال موقفه المأزوم الذي اتخذه من المرأة قائلاً:

«إيهٍ رهينَ المحبسينِ ألم يئنْ      

 

إطلاقُ مأسورٍ وفكُّ سراح

ظفِرتْ برحمتِك الحياةُ وصنتَها         

 

عن كلِّ ناعسةِ الجفونِ رداحِ     

أتضيقُ بالأنثى وحبُّكَ لم يضقْ

 

بالوحشِ بينَ سباسبٍ وبطاحِِ     

يا ظالمَ التفاحِ في وجناتِها     

 

لو ذقتَ بعضَ شمائلِ التفاحِ        

هي صورةٌ لله جلَّ جلالُهُ              

 

عزَّت نظائرُها على الألواحِ»([29])

هنا، يحاول البدوي أن يمزج صوته بصوت المعري، وكأنه يستحضره، ويداعبه مداعبة ظريفة، ناقداً بأسلوب إيحائي جمالي بليغ موقف المعري السلبي من المرأة، قائلاً:

«يا ظالمَ التفاح في وجناتها              

 

لو ذقتَ بعضَ شمائلِ التفاحِ»

وهذا التشبيه التجسيدي المباشر لخدود الفتاة؛ يوحي بقدرة البدوي على الاستحضار الفني المثير لشخصية المعري من خلال الموقف الذي اتخذه من المرأة..

ثم ينتقل بعد ذلك للحديث عن واقع أمتنا العربية من خلال ارتداء قناع هذه الشخصية معتبراً شخصية المعري العلم الفكري الأبرز من أعلام فخر العروبة وعزتها على مر التاريخ، قائلاً :

«الوحدةُ الكبرى تهلَّلَ فجرُها       

 

بظلالِ أبلجَ ذائدٍ نفَّاحِ

هذي العروبةُ في حماكَ مدلَّةٌ

 

ريعَ العدوُّ بها وضاقَ اللاحِي